اخبار السودان

كم خسر الجيش والدعم السـ.ريع منذ أبريل 2023؟

متابعات - السودان الآن

كم خسر الجيش والدعم السـ.ريع منذ أبريل 2023؟

متابعات – السودان الآن — منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تحولت البلاد إلى واحدة من أكثر ساحات القتال تعقيدًا في المنطقة، ومع دخول الحرب عامها الرابع لا تزال الأرقام الكاملة للخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية غائبة، بينما تتضخم البيانات التي تعلنها أطراف القتال عن خسائر خصومها.

وبمراجعة بيانات منظمات دولية ومراكز رصد النزاعات وتقارير عسكرية وإعلامية، تظهر صورة أكثر تعقيدًا: هناك حد أدنى موثق للقتلى والخسائر العسكرية، لكن العدد الحقيقي يبدو أعلى بكثير، ولا تسمح البيانات المتاحة حتى الآن بتقسيم إجمالي الخسائر البشرية بصورة دقيقة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

وتشير أحدث البيانات التي أوردتها مصادر دولية إلى أن عدد القتلى المسجلين في الحرب بلغ عشرات الآلاف، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من 150 ألف قتيل. وسجلت ACLED، وهي جهة مستقلة لرصد النزاعات، 52,904 قتلى من المدنيين والمقاتلين بسبب العنف المباشر حتى يونيو 2026، مع تأكيد أن هذه الأرقام تمثل تقديرات محافظة ويمكن أن ترتفع مع ظهور معلومات جديدة. كما تشير تقديرات أخرى إلى أن الوفيات غير المباشرة الناتجة عن انهيار الخدمات الصحية والغذاء والنزوح قد ترفع الحصيلة بصورة كبيرة.

وفي المقابل، لا توجد قاعدة بيانات مستقلة وموثوقة تحدد عدد جنود القوات المسلحة الذين قتلوا مقابل عدد مقاتلي الدعم السريع الذين قتلوا منذ بداية الحرب. وتعود صعوبة الوصول إلى هذا الرقم إلى اتساع رقعة القتال، وانقطاع الاتصالات في مناطق واسعة، وغياب سجلات منشورة من الطرفين، إضافة إلى اعتماد كثير من البيانات العسكرية على إعلانات أطراف الحرب نفسها.

وتكشف بيانات ACLED عن جانب من ميزان العنف، إذ نسبت البيانات للفترة التي جرى تحليلها نسبة أكبر من الأحداث والوفيات إلى قوات الدعم السريع مقارنة بالقوات المسلحة، لكن هذه الأرقام لا تعني أنها تمثل خسائر مقاتلي الطرفين، لأنها تشمل قتلى المدنيين والعنف ضد المدنيين، ولا تصلح لتحويلها مباشرة إلى حصيلة قتلى عسكريين.

أما على صعيد الطيران، فالصورة أوضح في بعض الحالات وأشد غموضًا في أخرى.

Oplus_131072

ففي الأسابيع الأولى من الحرب، وثقت قاعدة Oryx المتخصصة في توثيق خسائر المعدات، تدمير أو تضرر عشرات الطائرات والمروحيات التابعة للقوات الجوية السودانية، بينها مقاتلات وطائرات نقل ومروحيات، كما وثقت طائرتين مسيرتين قتاليتين تابعتين لقوات الدعم السريع ضمن خسائر 2023. لكن هذه القاعدة لا تمثل جردًا كاملًا للحرب حتى 2026، كما أن منهجها يعتمد على الخسائر التي يمكن توثيقها بصور أو أدلة مفتوحة المصدر.

ومع تطور الحرب، انتقل الجزء الأكبر من الصراع الجوي تدريجيًا من الطائرات التقليدية إلى الطائرات المسيرة.

مسيرة

وفي يوليو 2026، أعلنت القوات المسلحة إسقاط أربع مسيرات استراتيجية من طراز FH-95 تابعة للدعم السريع خلال عمليات على عدة جبهات، وقالت إن قواتها دمرت في الفترة نفسها 205 آليات قتالية و17 شاحنة عسكرية.

وفي أغسطس، أعلنت القوات المسلحة إسقاط مسيرتين إضافيتين في شمال كردفان، وقالت إن إجمالي المسيرات التابعة للدعم السريع التي أسقطتها في منطقة كردفان منذ يونيو وصل إلى سبع مسيرات. وهذه أرقام معلنة من الجيش وليست حصيلة مستقلة شاملة لكل الحرب.

في المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع في مناسبات مختلفة إسقاط طائرات مسيرة تابعة للقوات المسلحة، بينها مسيرات Bayraktar وAkinci، لكن بعض هذه الادعاءات يصعب التحقق منها بصورة مستقلة، ولذلك لا يمكن جمعها حسابيًا مع أرقام الجيش وإخراج رقم نهائي للخسائر الجوية.

وتشير بيانات وتحليلات متخصصة إلى أن سباق المسيرات أصبح أحد أهم ملامح المرحلة الحالية من الحرب، مع استهداف كل طرف لمنظومات الدفاع الجوي التابعة للطرف الآخر. ووثقت ACLED عمليات استهدفت منظومات دفاع جوي تابعة للدعم السريع، بينما تمكن الدعم السريع من ضرب منظومات دفاعية تابعة للقوات المسلحة، ما جعل السيطرة على المجال الجوي والدفاع الجوي جزءًا أساسيًا من المعركة.

أما الآليات والعربات القتالية، فلا توجد حتى الآن إحصائية مستقلة تراكمية يمكن القول إنها تمثل إجمالي ما دُمر من الطرفين منذ بداية الحرب.

Oplus_131072
Oplus_131072

لكن البيانات المعلنة خلال عام 2026 وحده تكشف حجم الاستنزاف. ففي النصف الأول من يونيو أعلنت القوات المسلحة تدمير 141 آلية قتالية تابعة للدعم السريع، ثم أعلنت في النصف الثاني من الشهر تدمير نحو 224 آلية أخرى، قبل أن تعلن في يوليو عن تدمير 205 آليات خلال فترة عمليات لاحقة.

ولا يمكن جمع هذه الأرقام باعتبارها حصيلة نهائية للحرب؛ لأنها بيانات صادرة عن طرف واحد، وبعض الفترات والمواقع قد تتداخل، كما أن الطرف الآخر أعلن بدوره أرقامًا كبيرة لخسائر القوات المسلحة.

فعلى سبيل المثال، أعلنت قوات الدعم السريع في يناير 2026 أنها دمرت 13 عربة واستولت على أكثر من 90 عربة قتالية في معركة واحدة، كما أعلنت في مناسبات أخرى الاستيلاء على مئات العربات والمعدات. وهذه البيانات تبقى في إطار ادعاءات طرف في الحرب ما لم تتوافر لها أدلة مستقلة.

وبالتالي، فإن الرقم الأكثر أمانًا مهنيًا ليس «عدد الآليات التي دُمرت منذ 2023»، وإنما القول إن آلاف الآليات والمركبات العسكرية ومعدات الإمداد تعرضت للتدمير أو الاستيلاء أو الإعطاب خلال الحرب، لكن لا توجد حتى الآن قاعدة مستقلة مكتملة تسمح بإعطاء رقم نهائي موثوق للطرفين.

اقتصاديًا، تبدو الخسارة أكبر من قيمة السلاح والمركبات التي دُمرت في المعارك.

وتشير دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية إلى أن السودان خسر نحو 6.4 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، مع دفع نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد. كما تراجعت الدخول إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود.

وتكشف أرقام أحدث عن حجم آخر من الخسائر؛ إذ قدرت بيانات منشورة في سبتمبر 2026 أضرار شبكة الكهرباء بنحو 3 مليارات دولار، بينما تراجعت قدرة إنتاج الكهرباء من نحو 4,400 ميغاواط إلى قرابة 1,100 ميغاواط.

لكن من الخطأ جمع هذه الأرقام ووضعها تحت عنوان «التكلفة الكلية للحرب»، لأن خسائر الناتج المحلي والأضرار المادية وإعادة الإعمار وفقدان الاستثمارات ليست بنودًا مستقلة بالكامل، وقد يؤدي جمعها إلى احتساب الخسارة نفسها أكثر من مرة.

ولهذا فإن التقدير الأكثر تحفظًا هو أن الخسارة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب أصبحت بعشرات المليارات من الدولارات، فيما تشير نماذج اقتصادية إلى أن فاتورة استمرار الحرب ستكون أكبر بكثير.

فإذا استمر القتال حتى عام 2030، يتوقع تقرير UNDP وISS أن يكون الناتج المحلي السوداني في عام 2043 أقل بنحو 34.5 مليار دولار مقارنة بالمسار الذي كان يمكن أن يسلكه السودان في حال عدم استمرار الحرب، مع انخفاض دخل الفرد بنحو 1,700 دولار ودفع أكثر من 34 مليون سوداني إضافي إلى الفقر المدقع.

أما عسكريًا، فتشير خريطة الوضع الحالية إلى أن الحرب لم تعد مجرد معركة للسيطرة على الخرطوم.

القوات المسلحة تسيطر على معظم شمال وشرق ووسط السودان، بما في ذلك الخرطوم والجزيرة والبحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بالسيطرة على معظم دارفور ومناطق واسعة من كردفان، مع بقاء أجزاء من النيل الأزرق وكردفان مناطق صراع متحركة.

Oplus_131072
الدعم السريع

وهذا يعني أن مركز ثقل الحرب انتقل بصورة واضحة إلى كردفان والنيل الأزرق، بينما أصبحت دارفور عمقًا استراتيجيًا لقوات الدعم السريع، وأصبحت مناطق الوسط والشمال والشرق عمقًا استراتيجيًا للقوات المسلحة.

وفي الوقت نفسه، بدأت الحرب تنتج واقعًا سياسيًا أكثر خطورة: إدارتان ومراكز سلطة متنافستان، واحدة في مناطق سيطرة القوات المسلحة وأخرى في مناطق سيطرة الدعم السريع، وهو ما دفع جهات تحليلية إلى التحذير من خطر تحول الانقسام العسكري إلى انقسام جغرافي وسياسي طويل الأمد.

واللافت أن الحرب نفسها تتغير تقنيًا.

فالمسيرات أصبحت عنصرًا رئيسيًا في العمليات، وأصبح استهداف المطارات ومحطات الكهرباء ومخازن الوقود وخطوط الإمداد جزءًا من الضغط العسكري. وفي النصف الأول من 2026، وثقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من ألف شخص في ضربات مسيرات، فيما حذرت من أن استخدام هذا السلاح أصبح أحد أخطر مصادر الخطر على المدنيين.

كما أن استمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي يزيد قدرة الطرفين على مواصلة الحرب، وهو ما خلصت إليه بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، التي تحدثت عن شبكات خارجية توفر أسلحة ومعدات وتدريبًا ومقاتلين وتقنيات مسيرة لأطراف الحرب، مع تأكيد أن بعض الدول والجهات المذكورة نفت الاتهامات.

إلى أين تتجه الحرب؟

المؤشرات الحالية لا تشير إلى نهاية عسكرية سريعة.

فقد نجحت القوات المسلحة في استعادة مناطق واسعة من الخرطوم والوسط والشرق، بينما حافظ الدعم السريع على ثقل كبير في دارفور وأجزاء من كردفان، ومع انتقال القتال إلى مناطق جديدة وتزايد الاعتماد على المسيرات، أصبح تحقيق انتصار شامل أكثر تعقيدًا.

والسيناريو الأقرب، وفق معطيات السيطرة الحالية، هو استمرار حرب الاستنزاف على جبهات كردفان والنيل الأزرق ودارفور، بالتوازي مع حرب مسيرات وضربات بعيدة المدى وضغط على خطوط الإمداد.

لكن هناك سيناريو آخر أكثر خطورة: أن يتحول الانقسام العسكري القائم إلى واقع جغرافي وسياسي طويل الأمد، خصوصًا مع وجود سلطات وإدارات متنافسة في مناطق سيطرة الطرفين.

وفي المقابل، يظل السيناريو الأكثر فائدة للسودان هو الوصول إلى تسوية سياسية توقف القتال وتمنع تثبيت الانقسام، إلا أن المسار الدبلوماسي لم ينجح حتى الآن في إنتاج وقف دائم لإطلاق النار، بينما تؤكد المجموعة الرباعية الدولية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة استمرار الدعوة إلى تسوية سياسية سودانية شاملة.

وبينما يبحث العالم عن رقم نهائي لعدد القتلى والطائرات والآليات التي فقدها الطرفان، تكشف البيانات المتاحة حقيقة أكثر وضوحًا: الخسارة الأكبر ليست في عدد الدبابات أو الطائرات التي خرجت من الخدمة، وإنما في دولة تتآكل بنيتها الاقتصادية والخدمية، وحرب كلما طال أمدها ارتفعت كلفة إنهائها وإعادة بناء ما دمرته.

الخلاصة الرقمية حتى سبتمبر 2026:

القتلى: 52,904 قتلى موثقين/مسجلين للعنف المباشر وفق بيانات ACLED حتى يونيو 2026، مقابل تقديرات تتجاوز 150 ألف قتيل للحصيلة الأوسع، مع عدم وجود رقم نهائي موثوق.

قتلى الجيش مقابل الدعم السريع: لا توجد حصيلة مستقلة موثوقة تسمح بتقسيمهم بدقة.

الطائرات والمروحيات: خسائر موثقة منذ بداية الحرب، لكن لا توجد قاعدة تراكمية مكتملة حتى سبتمبر 2026 للطرفين.

المسيرات: خسائر مؤكدة ومعلنة ومتزايدة لدى الطرفين، لكن لا يوجد رقم إجمالي مستقل موثوق لكل الحرب.

الآليات: لا يوجد رقم تراكمي مستقل؛ بيانات 2026 وحدها تظهر مئات الآليات المعلنة كخسائر في عمليات متفرقة.

الخسائر الاقتصادية: بلغت مليارات الدولارات في الناتج والبنية التحتية خلال فترة قصيرة، فيما قد تصل خسائر المسار الاقتصادي طويل الأجل إلى عشرات المليارات الإضافية.

الاتجاه العسكري: حرب استنزاف تتمركز بصورة متزايدة في كردفان والنيل الأزرق ودارفور.

الخطر الأكبر: استمرار الحرب قد يرسخ الانقسام الجغرافي والإداري بدل أن ينتج انتصارًا سريعًا لأي طرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى