سؤال كبير يلاحق أموال دارفور
متابعات – السودان الآن — طرح كاتب سوداني تساؤلات حادة حول أوضاع دارفور، متوقفًا عند الفارق بين ما يُقال عن الأموال والموارد والمناصب المرتبطة بملف السلام، وبين الواقع الذي يعيشه المواطن في مناطق لا يزال الحصول فيها على العلاج والتعليم والطرق والخدمات الأساسية أمرًا بالغ الصعوبة.
ويستند الكاتب في طرحه إلى حديث متداول عن امتلاك بعض قادة الحركات المسلحة أعدادًا كبيرة من سيارات الدفع الرباعي، وتقديرات مالية ضخمة لقيمتها، كما تساءل عن مصير الأموال المرتبطة بتنفيذ اتفاق جوبا للسلام، وما إذا انعكس ذلك بصورة ملموسة على حياة المواطنين في الإقليم.
وبعيدًا عن الأرقام والأسماء التي تحتاج إلى توثيق مستقل قبل اعتمادها كحقائق، فإن جوهر التساؤل الذي طرحه الكاتب يتعلق بقضية أكبر: ماذا حصل المواطن الدارفوري فعليًا من مسار السلام والموارد والمناصب التي أُعلنت باسم قضيته؟
فالمواطن الذي يعيش في قرية نائية لا ينظر إلى اتفاقيات السلام من زاوية المناصب السياسية فقط، وإنما من خلال ما يراه في حياته اليومية؛ هل توجد وحدة صحية قريبة؟ هل تستطيع المرأة الحامل الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب؟ هل يجد الأطفال مدرسة؟ وهل توجد طرق ووسائل نقل وإسعاف وخدمات مياه وكهرباء تساعد الأسر على الحياة بكرامة؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع تداول تقارير عن معاناة مواطنين في مناطق بشرق جبل مرة من ضعف الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى العلاج، وهي معاناة تكشف أن قضية دارفور لا يمكن اختزالها في الترتيبات السياسية أو توزيع المناصب، بل ترتبط بصورة مباشرة بحقوق الإنسان الأساسية.
ومن أكثر الوقائع إيلامًا ما أُثير مؤخرًا بشأن وفاة امرأة حامل بتوأم في منطقة سوني بشرق جبل مرة، بعد رحلة بحث عن الرعاية الصحية في منطقة تعاني من محدودية الخدمات. ومهما كانت تفاصيل كل حالة بحاجة إلى التحقق، فإن تكرار مثل هذه الوقائع يطرح سؤالًا مشروعًا حول وضع الرعاية الصحية في المناطق الريفية، ومدى وصول الموارد والخدمات إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وفي هذا السياق، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد وحده. فالحركات المسلحة والقوى السياسية التي تطرح قضية دارفور تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه المواطنين الذين تتحدث باسمهم، كما تتحمل مؤسسات الدولة الاتحادية وحكومات الولايات والإقليم والجهات المنفذة لاتفاقيات السلام مسؤولية إدارة الموارد العامة بشفافية وتوجيهها نحو الأولويات الحقيقية للسكان.
فالسلام بالنسبة للمواطن ليس مجرد توقيع اتفاق أو الحصول على منصب، وإنما ينبغي أن يتحول إلى أمن، وصحة، وتعليم، وطرق، ومياه، وفرص عمل، وخدمات تحفظ كرامة الإنسان.
كما أن الحديث عن الأموال المخصصة لتنفيذ اتفاق جوبا يحتاج إلى كشف واضح وشفاف لمسارات التمويل: ما الذي تم تخصيصه؟ وما الذي وصل فعلًا؟ وأين صُرف؟ وما المشروعات التي نُفذت؟ ومن الجهات المسؤولة عن المتابعة والمراجعة؟
هذه الأسئلة لا تعني اتهام شخص أو جهة بالفساد من دون أدلة، وإنما تعكس حق المواطن في معرفة كيفية إدارة الأموال العامة والموارد التي خُصصت لمعالجة آثار الحرب وتحقيق التنمية والسلام.
وفي المقابل، فإن اختزال قضية دارفور في امتلاك السيارات أو المساكن لا يكفي وحده لتقييم أداء أي مسؤول أو قائد؛ فالمعيار الأهم هو ما يمكن إثباته من سياسات وموارد ومشروعات ونتائج وصلت إلى المواطنين.
وتبقى القضية الأوسع هي أن سكان دارفور، الذين دفعوا ثمن سنوات طويلة من الحرب والنزوح والفقر وانهيار الخدمات، يحتاجون إلى أن تتحول قضيتهم من شعارات سياسية إلى برامج عملية قابلة للقياس، وأن تكون الأولوية للإنسان قبل المنصب، وللخدمة قبل المظهر، وللتنمية قبل الصراع على النفوذ.
إن توحيد الجهود حول مطالب واضحة للمواطن، ووضع أولويات للخدمات الأساسية، ونشر تقارير شفافة عن الأموال والمشروعات، يمكن أن يشكل بداية عملية لاستعادة الثقة بين المواطنين والجهات التي تتحدث باسمهم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي طرحه الكاتب أكبر من قضية سيارات أو أموال: إذا كانت قضية دارفور هي حقوق الإنسان ورفع التهميش وتحقيق السلام، فمتى يرى المواطن العادي أثر هذه القضية في المستشفى والمدرسة والطريق ومصدر المياه، وفي حقه في أن يعيش بأمان وكرامة؟
دارفور لا تحتاج فقط إلى الحديث باسم المواطن.. بل تحتاج إلى أن يرى المواطن نتيجة هذا الحديث في حياته اليومية













