الأزمات تلاحق السودانيين.. لماذا لم يعد الابتعاد عن الجبهات كافيًا للنجاة؟
متابعات - السودان الآن
الأزمات تلاحق السودانيين.. لماذا لم يعد الابتعاد عن الجبهات كافيًا للنجاة؟
متابعات – السودان الآن — في السودان، لم يعد الخطر الذي يهدد حياة الإنسان محصورًا في رصاصة أو قذيفة أو ضربة بطائرة مسيّرة. فهناك من ينجو من القصف، لكنه لا يجد مستشفى يعمل، ومن يصل إلى المستشفى ولا يجد الدواء، ومن يملك المال لشراء العلاج لكنه لا يستطيع الوصول إلى الطبيب بسبب انعدام الأمن أو صعوبة المواصلات.
هكذا تتسع دائرة الموت في حرب دخلت عامها الرابع، لتشمل جبهات القتال والأسواق والمستشفيات ومراكز النزوح، في وقت تتراجع فيه قدرة ملايين السودانيين على الحصول على أبسط مقومات الحياة.
21 مليون سوداني أمام أزمة صحية
في تقرير صدر في 14 أبريل 2026، قالت منظمة الصحة العالمية إن نحو 21 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى خدمات صحية، وإن 37% من المرافق الصحية في البلاد غير عاملة.
ووثقت المنظمة 217 هجومًا على الرعاية الصحية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أسفرت عن مقتل 2052 شخصًا وإصابة 810 آخرين، وفق بياناتها المنشورة في ذلك التاريخ.
هذه الأرقام لا تعني أن جميع المرضى يواجهون المصير نفسه، لكنها تكشف حجم الضغط على نظام صحي بات عاجزًا عن تلبية الاحتياجات في مناطق واسعة.
فالمريض الذي كان يحتاج إلى علاج بسيط قبل الحرب قد يجد نفسه اليوم أمام سلسلة من العقبات: منشأة صحية مغلقة، أو نقص في الأدوية، أو انقطاع للكهرباء والمياه، أو تكاليف علاج لا يستطيع تحملها.
الجوع.. الخطر الذي يتسلل إلى البيوت
في 15 مايو 2026، حذرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة من أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
وأشار التحليل إلى أن نحو 135 ألف شخص يواجهون مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار خطر المجاعة في 14 منطقة ساخنة بدارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان.
والفارق بين الجوع العابر وانعدام الأمن الغذائي الحاد أن الأسرة لا تعود قادرة على ضمان وجباتها بصورة منتظمة، وقد تضطر إلى تقليل الطعام أو الاستغناء عن احتياجات أساسية لتوفير ما تبقى من المال.
وتزداد خطورة الجوع لدى الأطفال والحوامل والمرضى، لأن سوء التغذية قد يضعف المناعة ويجعل الأمراض أكثر خطورة، خصوصًا عندما تتراجع فرص الوصول إلى العلاج.
الجنيه ينهار.. والقدرة على الحياة تتراجع
الأزمة لا تقف عند القتال والجوع. ففي تقرير نشرته رويترز في 22 سبتمبر 2026، أفادت بأن الجنيه السوداني فقد نحو نصف قيمته في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش منذ بداية الصيف، ووصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7500 جنيه، مقارنة بنحو 4100 جنيه في مايو.
ونقلت الوكالة عن متعاملين أن ارتفاع الأسعار دفع بعض الأسر إلى تقليل مشترياتها، بينما تراجعت مبيعات بعض المتاجر بصورة كبيرة.
وتكمن خطورة انهيار العملة في أنه لا يقتصر على الأرقام المتداولة في الأسواق؛ فالسودان يعتمد على استيراد سلع أساسية، من بينها القمح والوقود، ويؤدي ارتفاع تكلفة الاستيراد إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء والنقل والإنتاج.
وعندما ترتفع الأسعار في الوقت الذي تتراجع فيه الدخول، تصبح قدرة الأسرة على شراء الطعام والدواء أقل، حتى في المناطق التي لا تشهد اشتباكات يومية.
المرض لا ينتظر توقف الحرب
حذرت منظمة الصحة العالمية من انتشار أمراض وأوبئة متعددة في السودان، من بينها الملاريا وحمى الضنك والحصبة والتهاب الكبد الوبائي، إلى جانب أمراض أخرى أبلغت عنها السلطات الصحية في ولايات مختلفة.
وتزداد مخاطر تفشي الأمراض عندما تتضرر خدمات المياه والصرف الصحي، وتتراجع حملات التطعيم، وتتعطل أنظمة الترصد والاستجابة الصحية.
وفي هذه الظروف، لا تكون المشكلة في وجود المرض وحده، بل في قدرة النظام الصحي على اكتشافه مبكرًا وعزل الحالات وتوفير العلاج ومنع انتقال العدوى.
لماذا لا تكفي أخبار المعارك لفهم ما يحدث؟
السيطرة على مدينة أو طريق قد تغير الحسابات العسكرية، لكنها لا تعني بالضرورة عودة الحياة الطبيعية إلى السكان. فالمدن التي تتوقف فيها المعارك قد تظل تعاني نقص الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، بينما تحتاج الأسواق إلى وقت لاستعادة الإمدادات وتحتاج الأسر إلى مصادر دخل ثابتة.
وفي المقابل، لا يمكن فصل الأزمة الإنسانية عن مجريات الحرب؛ فتقييد حركة المساعدات، وتضرر الطرق، ونزوح المزارعين، وتعطل الأسواق، كلها عوامل تؤثر في قدرة السكان على الحصول على الغذاء والعلاج.
ولهذا فإن قياس أثر الحرب لا يقتصر على عدد القتلى في هجوم واحد، بل يتطلب النظر أيضًا إلى المرضى الذين لا يصلون إلى العلاج، والأطفال الذين يواجهون سوء التغذية، والأسر التي تفقد قدرتها على شراء احتياجاتها الأساسية.
السؤال الذي ينتظر إجابة
لماذا يموت السوداني؟ لا توجد إجابة واحدة تختصر مأساة بلد كامل. لكن الأرقام المتاحة ترسم صورة واضحة لتداخل مخاطر القتال والجوع وانهيار الخدمات الصحية وتراجع القدرة الشرائية.
وما لم تتوقف الهجمات على المدنيين والمنشآت الصحية، وتُفتح طرق آمنة لوصول المساعدات، وتُستعد الخدمات الأساسية، فإن آثار الحرب ستظل ممتدة حتى إلى المناطق التي لا تدور فيها المعارك بصورة مباشرة.
فالسوداني لا يحتاج إلى النجاة من القذيفة وحدها؛ بل يحتاج أيضًا إلى طعام يستطيع شراءه، ودواء يستطيع الوصول إليه، ومستشفى يجد فيه من يعالجه.













