أوروبا في الشارع
متابعات – السودان الآن — تشهد عدة دول أوروبية موجة من الاحتجاجات والتحركات الشعبية المتزامنة، في مشهد يعكس اتساع حالة الاستياء من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الحكومية، وسط تصاعد المخاوف من أن تتحول الضغوط المعيشية إلى أزمة سياسية أوسع.
وفي أحدث التطورات، شهدت إيطاليا، الجمعة 30 أكتوبر، إضراباً عاماً وتظاهرات واسعة شارك فيها عشرات الآلاف من العمال والطلاب، امتدت إلى أكثر من 40 مدينة، وفقاً لوكالة رويترز، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة والمطالبة بتحسين الأجور والخدمات العامة، إلى جانب رفض زيادة الإنفاق العسكري على حساب الاحتياجات الاجتماعية.
وفي مدينة جنوة، شارك نحو 15 ألفاً من عمال الموانئ والطلاب ومتظاهرين آخرين في تحرك داخل الميناء، رافعين مطالب تتعلق بوقف استخدام الموانئ في شحن الأسلحة، في مؤشر على دخول الاعتراض على السياسات العسكرية ضمن المطالب التي تحرك الشارع الإيطالي.
فرنسا.. استنفار أمني قبل احتجاجات جديدة
وفي فرنسا، تتجه الأنظار إلى يوم السبت 31 أكتوبر، مع استعداد السلطات لموجة جديدة من الاحتجاجات، بعدما أعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 410 آلاف شخص في مظاهرات السبت الماضي.
وأعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز نشر نحو 70 ألفاً من عناصر الشرطة والدرك في أنحاء البلاد، تحسباً لاضطرابات محتملة، خصوصاً مع انتشار دعوات للتجمع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتأتي هذه التطورات بعد انتقال الاحتجاجات من مطالب طلابية مرتبطة بأوضاع التعليم إلى قضايا أوسع تشمل الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وسط مخاوف من اتساع المواجهة بين المحتجين والسلطات.
ألمانيا.. جيل الشباب يستعد للنزول إلى الشوارع
وفي ألمانيا، تستعد مجموعات شبابية لتنظيم مظاهرات السبت 31 أكتوبر في أكثر من 30 مدينة، من بينها برلين وفرانكفورت وكولونيا، ضمن تحركات تقودها مبادرة شبابية تحمل اسم «Gen Z regelt».
وبحسب تقارير صحفية، سجل أكثر من 150 ألف شخص رغبتهم في المشاركة عبر المنصة الخاصة بالمنظمين، وهو رقم يعكس حجم الاهتمام بالدعوة، لكنه لا يمثل عدد المشاركين الفعليين.
وتشمل مطالب المحتجين رفض تقليص الإنفاق على التعليم والخدمات الاجتماعية، وتحسين فرص السكن، إلى جانب الاعتراض على العودة إلى التجنيد العسكري الإجباري، في وقت تتزايد فيه النقاشات الأوروبية بشأن رفع الإنفاق الدفاعي.
ما الذي يجمع هذه الاحتجاجات؟
رغم اختلاف الظروف الداخلية من دولة إلى أخرى، فإن المشهد الأوروبي يكشف عن مجموعة من الضغوط المشتركة، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة، ومطالب تحسين الأجور، والقلق بشأن مستقبل الخدمات العامة، فضلاً عن الخلاف حول توجيه الموارد الحكومية نحو الإنفاق العسكري في ظل التوترات والحروب الدولية.
وتبرز هنا معادلة صعبة أمام الحكومات الأوروبية؛ فالحرب والتوترات الأمنية تدفع باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي، بينما يطالب المواطنون بتوجيه مزيد من الموارد إلى التعليم والصحة والسكن وتحسين مستويات المعيشة.
ولا تعني هذه الاحتجاجات بالضرورة أن أوروبا تتجه إلى انهيار سياسي أو اقتصادي، لكنها تكشف عن اتساع الفجوة بين أولويات الحكومات وتطلعات قطاعات من المواطنين، خصوصاً الشباب والعمال.
إلى أين تتجه الأمور؟
خلال الأيام المقبلة، ستكون قدرة الحكومات على احتواء الاحتجاجات دون اللجوء إلى إجراءات أمنية واسعة عاملاً مهماً في تحديد مسار الأزمة.
وإذا استمرت الضغوط الاقتصادية دون حلول ملموسة، فقد تتسع رقعة الاحتجاجات وتتحول بعض المطالب الاجتماعية إلى تحديات سياسية للحكومات، خاصة مع اقتراب ملفات الإنفاق العام والدفاع والخدمات من صدارة النقاشات الأوروبية.
لكن من المبكر الحديث عن موجة ثورات أو انهيار حكومات، فالمشهد لا يزال متبايناً بين دولة وأخرى، كما أن الاحتجاجات لا تتحرك جميعها تحت قيادة واحدة أو بأهداف متطابقة.
ما يحدث في أوروبا اليوم يطرح سؤالاً يتجاوز حدود القارة: إلى أي مدى تستطيع الحكومات مواصلة الإنفاق على الأمن والتسلح، بينما يطالب مواطنوها بمزيد من الدعم لتحسين حياتهم اليومية؟













