بطل أم مجرم؟.. لعبة “إعادة التدوير” السياسي التي تحرق أحلام السودانيين
متابعات -السودان الآن
بطل أم مجرم؟.. لعبة “إعادة التدوير” السياسي التي تحرق أحلام السودانيين
خاص – السودان الآن – في مشهد يختزل ملهاة الواقع السياسي السوداني ومأساة المواطن المنسي، تداول ناشطون بغضب عارم صورة تُظهر أحد القادة الميدانيين وهو يقف بكامل أناقته البيضاء أمام حطام دبابة متفحمة، في مفارقة صارخة لم تكن في مجرد وقوفه هناك، بل في تعهده عبر “تريند” مصور بمحاسبة من أحرقها، متناسياً – أو متعمداً التناسي – أنه هو نفسه من أشعل النيران في هذه الآلية، وفي أحلام ملايين السودانيين من خلفها.
هذه الصورة لا تعكس مجرد لقطة عابرة التقطتها عدسة كاميرا، بل تلخص “المتلازمة” الخبيثة التي أرهقت السودان؛ حيث يتحول هتاف الأمس الحماسي والتفاخر بحرق وتدمير البنية التحتية تحت مسميات الانتصارات الزائفة، إلى وقوف على الأطلال اليوم، وتقمص لدور الحريص على مقدرات الوطن عبر المطالبة بفتح تحقيقات ومحاسبة الفاعلين، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً يعتصر الشارع السوداني: كيف يمكن لمن كان أداةً للتدمير بالأمس، أن يصبح اليوم قاضياً يوزع صكوك الوطنية والعدالة؟
إن عودة مثل هذه الشخصيات إلى الواجهة، والتعامل معها كأبطال إنقاذ، يكشف بلا مواربة عن أزمة أخلاقية وسياسية عميقة في مطبخ القرار، حيث أصبحت بعض الجهات تبني تحالفاتها على سياسة “إيواء المجرمين” واستخدامهم ككروت ضغط عسكري وسياسي لتحقيق مصالح ضيقة ترتبط بالسلطة والحكم، ليكون لسان حال الشارع أن المعايير سقطت، فالمجرم يصبح بطلاً قومياً إذا اتفقت مصالحه مع أصحاب السلطة اليوم، ويتحول إلى خائن ومطلوب للعدالة إذا اختلف معهم غداً، بينما يظل المواطن المتضرر مجرد رقم هامشي خارج الحسابات.
أمام هذا التزييف الفج، تصبح معركة الوعي لدى الشعب السوداني لا تقل أهمية عن معركة البقاء، فالذاكرة الوطنية يجب ألا تكون ثقباً أسود يبتلع الجرائم بمجرد أن يغير الجناة جلودهم وخطاباتهم الإعلامية، وتوثيق هذه المفارقات هو الخطوة الأولى لرفض صناعة الأبطال الوهميين. وفي المقابل، فإنها صرخة لقرع ضمير المسؤولين وصناع القرار بأن إيواء من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين وتدمير مقدراتهم من أجل مكاسب مؤقتة هو قنبلة موقوتة لن تفجر سوى ما تبقى من هيبة الدولة، فدماء الشهداء ودموع النازحين وأنقاض البيوت لن تسقط بالتقادم أو بالتسويات السياسية خلف الأبواب المغلقة، وستبقى تلك الدبابة المتفحمة خلف هذا “البتل المزيف” كشاهد صامت يذكر الجميع بأن من أحرق الوطن بالأمس، لا يمكن أن يكون مؤتمناً على إعمار غده.













