اخبار السودان

جبهة جديدة في السودان.. حرب داخل حرب أكبر

متابعات -السودان الآن

جبهة جديدة في السودان.. حرب داخل حرب أكبر

متابعات – السودان الآن — تشهد مدينة كاودا بولاية جنوب كردفان تطورات ميدانية متسارعة، بعد اندلاع صراع مسلح بين قوات الجيش الشعبي التابعة للحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، ومقاتلين من مجموعة الأطورو، في مواجهة بدأت بخلافات محلية حول الأرض وترسيم الحدود قبل أن تتحول إلى قتال داخل أحد أهم معاقل الحركة الشعبية.

وتكتسب المواجهات أهمية خاصة، كون كاودا تمثل المركز السياسي والإداري والعسكري الأبرز للحركة الشعبية في جبال النوبة، كما تضم مقار ومنازل عدد من قياداتها ومواقع ذات رمزية تاريخية للحركة.

وبحسب تقارير محلية، تعود جذور الأزمة إلى خلافات بين مجموعتي الأطورو والشواية بشأن ترسيم الحدود، قبل أن تتطور إلى مواجهة بين مقاتلين من الأطورو والجيش الشعبي التابع للحركة.

وتقول الحركة الشعبية إن عملياتها تستهدف مجموعة مسلحة تصفها بـ«المتمردة» بسبب مشاركتها في أحداث منطقة هيبان، ولا تستهدف مكون الأطورو باعتباره مكوناً اجتماعياً. في المقابل، تتهم قيادات من الأطورو قوات الحركة بارتكاب انتهاكات واعتقالات وعمليات تهجير بحق السكان.

وخلال الأسابيع الماضية، تصاعدت المواجهات وانتقلت إلى مدينة كاودا ومحيطها، وسط استخدام أسلحة ثقيلة، بينما نزح سكان من مناطق القتال باتجاه الجبال والكهوف والمناطق الأكثر أمناً.

وأفادت تقارير في 20 أغسطس بأن الجيش الشعبي شن عملية عسكرية واسعة وتمكن من استعادة السيطرة على كامل مدينة كاودا، بما في ذلك منطقة لويرا التي تضم مقار ومنازل عدد من قيادات الحركة، بينها منزل عبد العزيز الحلو ونائبه جقود مكوار، إضافة إلى موقع قبر القائد التاريخي للحركة يوسف كوة مكي.

لكن التطورات الميدانية اللاحقة أعادت الغموض إلى المشهد، مع ظهور روايات متضاربة بشأن السيطرة على المدينة، وتداول تقارير عن عودة مقاتلي الأطورو إلى مواقع داخل كاودا ومحيطها. كما نشرت جهات إعلامية محلية روايات تتحدث عن سيطرة الأطورو على عدد من المؤسسات والمواقع داخل المدينة، وهي معلومات يصعب التحقق منها بصورة مستقلة بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة وضعف الاتصالات.

وتشير تقارير أخرى إلى أن القتال تسبب في أضرار بالمنازل والمنشآت، ونهب بعض المرافق والأسواق، في حين تحدثت جهات محلية عن سقوط مدنيين ونزوح أعداد كبيرة من السكان. وتظل أعداد الضحايا وحجم الأضرار محل تضارب بين المصادر.

هدنة لم تصمد

وفي محاولة لوقف القتال، طرح قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو مبادرة لوقف الاقتتال في المنطقة، في ظل التحالف السياسي والعسكري القائم بين قواته والحركة الشعبية-شمال بقيادة الحلو.

وفي 21 أغسطس، أصدر الحلو أمراً لقواته بوقف العمليات والأعمال العدائية في كاودا ومحيطها، وإتاحة الفرصة أمام المبادرة، مع الدعوة إلى وقف خطاب الكراهية والتحريض وتهيئة الظروف أمام المسارات الاجتماعية والإنسانية والعسكرية.

غير أن الهدنة واجهت اختباراً سريعاً، إذ اتهم ممثلون للأطورو الجيش الشعبي بخرق وقف إطلاق النار وقصف كاودا بالمدفعية.

وقال ممثل الأطورو إن القصف استُخدمت خلاله أسلحة ثقيلة، بينها هاون عيار 120 ومدافع 23، واتهم قوات الحركة بإفشال الهدنة. في المقابل، تؤكد الحركة أن عملياتها تستهدف المجموعة التي تصفها بالمتمردة، وليس قبيلة الأطورو ككل.

ويزيد استمرار القتال من صعوبة الوصول إلى تسوية، خصوصاً مع وجود مقاتلين وضباط من أبناء الأطورو داخل البنية العسكرية للحركة الشعبية نفسها.

صراع داخل الحاضنة

وتختلف أزمة كاودا عن معظم جبهات الحرب السودانية، إذ لا تدور أساساً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وإنما نشأت داخل مناطق ظلت لسنوات طويلة تحت نفوذ الحركة الشعبية.

وتشير روايات محلية إلى أن التوتر تصاعد بسبب الخلافات حول الأراضي وترسيم الحدود، إلى جانب شكاوى من أبناء الأطورو بشأن النفوذ على الموارد والأنشطة الاقتصادية في المنطقة.

وتقول مصادر إن الأزمة تحولت تدريجياً من خلاف محلي إلى مواجهة مسلحة، بعدما تدخل الجيش الشعبي في النزاع، وجرى التعامل مع بعض القيادات والمقاتلين بوصفهم متمردين على قيادة الحركة.

وتكمن حساسية التطور في أن الأطورو ليست مجموعة وافدة إلى مناطق نفوذ الحركة، وإنما إحدى المجموعات المحلية في جبال النوبة، ولها أبناء قاتلوا في صفوف الجيش الشعبي خلال مراحل مختلفة من تاريخ الحركة.

وبذلك تواجه قيادة الحلو تحدياً مختلفاً عن المواجهة التقليدية مع الجيش السوداني، يتمثل في صراع مسلح داخل منطقة تمثل عمقها الاجتماعي والعسكري والسياسي.

لماذا كاودا مهمة؟

لا تمثل كاودا مجرد مدينة في جنوب كردفان، بل تعد منذ سنوات مركز الثقل السياسي والإداري والعسكري للحركة الشعبية في جبال النوبة.

وتضم المدينة ومحيطها مؤسسات ومقار للحركة، إضافة إلى منازل عدد من كبار المسؤولين والقادة العسكريين، ما يجعل أي تغير في السيطرة عليها ذا دلالة سياسية وعسكرية كبيرة.

كما أن مناطق قريبة من كاودا تضم منشآت تدريبية ومؤسسات مرتبطة بالحركة، وهو ما يفسر حساسية المعارك الدائرة حول المدينة.

وتعود أهمية المنطقة إلى الحرب الأهلية السودانية التي شهدت مشاركة واسعة من أبناء جبال النوبة في صفوف الحركة الشعبية، قبل أن يستمر الصراع في المنطقة بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وتشكّل الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال.

وبرز عبد العزيز الحلو لاحقاً كأحد أبرز قادة الحركة في المنطقة، قبل أن تصبح كاودا مركزاً رئيسياً لنفوذه.

تحالف الحلو وحميدتي أمام اختبار جديد

تأتي المواجهات في كاودا في وقت تشهد فيه الحرب السودانية إعادة تشكيل للتحالفات العسكرية والسياسية.

فالحركة الشعبية-شمال بقيادة الحلو دخلت في تحالف مع قوات الدعم السريع خلال الحرب الحالية، ما جعل التطورات داخل مناطق سيطرة الحركة ذات انعكاسات محتملة على الصراع الأوسع.

ومن هنا جاءت مبادرة محمد حمدان دقلو لوقف القتال في كاودا، والتي قبل بها الحلو وأعلن وقف العمليات لإتاحة الفرصة أمام التهدئة.

لكن استمرار الاتهامات المتبادلة بخرق الهدنة يعكس صعوبة فرض وقف مستدام للقتال، خصوصاً في ظل وجود مطالب سياسية ومجتمعية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.

وبحسب تقارير، يطالب بعض معارضي قيادة الحركة بإبعاد الحلو عن القيادة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتشكيل قيادة انتقالية، وهي مطالب تعكس اتساع الأزمة من خلاف محلي إلى تحدٍ سياسي داخل الحركة.

جنوب كردفان.. حرب قديمة داخل حرب أكبر

تأتي أزمة كاودا بينما تعد جنوب كردفان واحدة من أبرز ساحات الحرب السودانية.

ويحتفظ الجيش السوداني بنفوذ في عدد من المدن الرئيسية، بينما تسيطر الحركة الشعبية على مناطق واسعة من جبال النوبة، في ظل تعقيدات عسكرية وسياسية متداخلة.

كما تمثل كردفان بمناطقها الثلاث حلقة وصل مهمة بين وسط السودان ودارفور وجنوب البلاد، الأمر الذي يمنح أي تغير عسكري فيها أهمية تتجاوز حدود الولاية.

وفي حال استمرت المواجهات داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية، فقد تضطر قيادة الجيش الشعبي إلى تخصيص مزيد من قواتها ومواردها للصراع الداخلي، بدلاً من توجيهها إلى جبهات أخرى.

موارد كبيرة وصراع مستمر

تكشف أزمة كاودا أيضاً عن جانب آخر من أزمات جنوب كردفان، وهي منطقة تتمتع بموارد زراعية وحيوانية ومائية، إضافة إلى الذهب والنفط، لكنها عانت لعقود من آثار الحرب وضعف البنية التحتية والخدمات.

وأدت الحروب المتعاقبة إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، فيما ظلت قضايا الأرض والموارد وترسيم الحدود بين المجتمعات المحلية من أبرز مصادر التوتر.

وفي هذا السياق، فإن المواجهات الحالية لا تبدو مجرد معركة للسيطرة على مدينة، بل تعكس تراكماً من الخلافات المحلية والسياسية والعسكرية.

ومع استمرار تضارب المعلومات حول خريطة السيطرة الميدانية، تبقى كاودا أمام احتمالين: نجاح جهود التهدئة وإعادة احتواء الصراع، أو تحول المواجهات إلى انقسام أوسع داخل الحركة الشعبية في واحدة من أكثر مناطق السودان حساسية.

وبينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، يضيف القتال في كاودا جبهة جديدة إلى المشهد، لكن هذه المرة من داخل منطقة ظلت لعقود أحد أهم معاقل الحركة الشعبية في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى