حين يصبح المواطن هو الخاسر الأكبر
متابعات – السودان الآن — في السودان، لم تعد المعركة بين الشعارات وحدها، بل أصبحت في جوهرها سؤالًا عن الإنسان والوطن: ماذا بقي للمواطن الذي فقد منزله، وتعطلت حياته، وتشردت أسرته، وأصبح الوصول إلى الغذاء والدواء والتعليم والأمان تحديًا يوميًا؟
خلال سنوات الحرب، دفع المدنيون الثمن الأكبر. وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 34 مليون شخص داخل السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما تسببت الحرب في نزوح الملايين وتدمير أو تعطيل منازل وأسواق ومستشفيات ومدارس ومرافق حيوية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة طرح السؤال من زاوية مختلفة: هل يكفي أن نتحدث عن «الكرامة» بينما المواطن نفسه يفقد مقومات الحياة؟
فالكرامة التي لا تحمي الإنسان من الجوع والخوف والقتل والتشرد، ولا تحفظ له بيته وماله وأسرته، تبقى شعارًا ناقصًا. أما الوطن، فهو الإطار الذي يفترض أن تُصان داخله حياة الناس وحقوقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
ومن المنظور الأخلاقي والديني، لا يمكن فصل الكرامة عن حفظ النفس والمال والعِرض، ولا يمكن بناء مجتمع سليم على حساب المواطن. فالغاية ليست أن ينتصر الشعار، وإنما أن يبقى الإنسان آمنًا، وأن تبقى الدولة قادرة على حماية حقوق مواطنيها، وأن يجد الناس طريقًا إلى حياة مستقرة وعادلة.
ولهذا، فإن السودان يحتاج إلى أن يكون النقاش أكبر من سؤال: من يرفع شعار الكرامة؟
السؤال الأهم هو: من يحفظ الوطن ويحمي المواطن؟
فالمواطن السوداني ليس طرفًا ثانويًا في الحكاية، وليس مجرد رقم في بيانات النزوح والضحايا والمساعدات. هو صاحب الوطن، ومن أجله يفترض أن تكون الدولة، ومن أجله تُقاس نتائج أي مشروع سياسي أو عسكري.
وفي حرب دفع فيها السودانيون من مختلف المناطق والانتماءات ثمنًا باهظًا، يصبح من الصعب اختزال الوطن في جماعة أو تيار أو قوة. السودان أوسع من الجميع، والمواطن أكبر من الشعارات.
الوطن لا يُقاس بعدد الخطب التي تتحدث عنه، وإنما بقدرته على حفظ حياة أهله، وصيانة حقوقهم، وإعادة الأمن إلى مدنهم، وفتح المدارس والمستشفيات، وإعادة الناس إلى بيوتهم، وإتاحة الطريق أمامهم لبناء مستقبلهم.
ولذلك، ربما يكون السؤال الذي يحتاج السودان إلى سماعه اليوم أبسط من كل الشعارات:
هل نريد كرامةً لشعارٍ أم وطنًا يحفظ كرامة الجميع؟
فالكرامة الحقيقية لا تكون لفئة دون أخرى، ولا تُختزل في امتيازات أصحاب السلطة والنفوذ؛ وإنما تبدأ عندما يشعر المواطن السوداني، أيًا كان موقعه أو منطقته أو موقفه، أن حياته وحقوقه وماله وأسرته ومستقبله ليست أشياء قابلة للتضحية.
السودان أولًا.. والمواطن السوداني قبل الشعارات













