المنوعات والثقافة

يا سوداني… الرسالة دي ليك، ولأجل السودان

متابعات - السودان الآن

السودان يستحق حياةً أجمل من هذا الوجع

خاص – السودان الآن- يا أهل السودان… إلى متى؟إلى متى نظل نختلف حتى نخسر بعضنا، ونتخاصم حتى نفقد أوطاننا، ونبحث عن الانتصار على بعضنا، بينما الوطن الذي يجمعنا ينزف، والبيوت التي كانت عامرة بأهلها صارت تحمل الحزن، والأمهات ينتظرن أبناءهن، والأطفال يكبرون على أصوات الخوف بدلاً من أصوات الفرح؟

مقالات ذات صلة

قف قليلاً مع نفسك، يا سوداني… أياً كان موقعك، وأياً كانت قبيلتك، وأياً كان رأيك أو انتماؤك، واسأل نفسك بصدق: هل ما أفعله اليوم يقرب السودان من الحياة، أم يدفع به نحو مزيد من الموت والضياع؟

السودان ليس قبيلة واحدة، ولا لوناً واحداً، ولا لساناً واحداً، ولا ثقافة واحدة. السودان فسيفساء عظيمة من الشعوب والثقافات واللهجات والأديان والعادات؛ من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن ضفاف النيل إلى صحارى دارفور وسهول كردفان وأرض النيل الأزرق.

قد تختلف سحناتنا، وتتعدد لغاتنا، وتتباين عاداتنا، لكننا جميعاً بشر، لنا كرامة وحقوق وأحلام، ويجمعنا وطن اسمه السودان. وليس اختلافنا عيباً يحتاج إلى الإلغاء، بل نعمة تستحق أن نحسن إدارتها، وأن نجعل منها قوةً للبناء لا وقوداً للصراع.

يا أهل السودان، ربنا ما حرمنا من الخيرات، لكن كيف نرجو البركة في أرضٍ نُهدر طاقاتها، ونبدد ثرواتها، ونترك إنسانها يدفع ثمن خلافات لا تنتهي؟

في أرضنا من الزراعة ما يمكن أن يطعم الناس، ومن الثروة الحيوانية ما يمكن أن يفتح أبواب الرزق، ومن المعادن والموارد ما يمكن أن يسهم في بناء المدارس والمستشفيات والطرق، ومن عقول الشباب وكفاءاتهم ما يمكن أن يصنع مستقبلاً يليق بهذا الشعب.

فلماذا يكون نصيب إنسان السودان الخوف والنزوح والجوع والحرمان، بينما يمكن أن تكون هذه الأرض باباً للعلم والعمل والاستقرار والازدهار؟

يا من تحمل السلاح، تذكّر أن الحياة التي تُزهق لا تعود، وأن الوطن الذي تتنازعون عليه لن يجد من يعمره إذا خسر أبناءه.

ويا من تتولى مسؤولية عامة، تذكّر أن المنصب ليس امتيازاً دائماً، بل أمانة ومسؤولية. اسأل نفسك قبل كل قرار: هل أنصف هذا القرار الناس؟ هل خفف عنهم المعاناة؟ هل حفظ حقوقهم؟ هل يرضي الله، ويخدم الوطن، ويصون كرامة الإنسان؟

فالمسؤولية ليست كرسياً نجلس عليه، بل أمانة سنُسأل عنها.

قال الله تعالى:

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.

ويا أيها المواطن، لا تظن أن مسؤولية إصلاح السودان تقع على عاتق الحكام وحدهم. الكلمة مسؤولية، والأمانة مسؤولية، واحترام دماء الناس مسؤولية، وعدم إشعال الفتن مسؤولية، وحفظ حقوق الآخرين مسؤولية. لا تجعل اختلافك مع أخيك سبباً لظلمه، ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأن كرامتك لا تكتمل إلا بإهانة غيرك.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

هذه ليست دعوةً إلى نسيان الحقوق، ولا إلى الصمت عن الظلم، ولا إلى مساواة المظلوم بمن ظلمه. فالعدل واجب، ومحاسبة من ارتكب الجرائم حق، وحماية الناس أولوية. لكنها دعوة إلى أن نبحث عن الحق دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نطلب العدالة دون أن نحوّل الوطن إلى دائرة لا تنتهي من الانتقام.

يا سوداني، تخيّل بلداً يستطيع فيه ابن الشرق أن يدرس ويعمل ويحلم دون أن يُنتقص من قدره، ويستطيع فيه ابن الغرب أن يعود إلى أرضه آمناً، ويعيش فيه ابن الشمال والجنوب والوسط بكرامة، وتجد فيه المرأة حقها في الأمن والتعليم والعمل، وينشأ الطفل وهو يحلم بأن يصبح طبيباً أو مهندساً أو معلماً، لا أن يحمل همّ الحرب قبل أن يعرف معنى الحياة.

تخيّل أن تتحول أموال الحرب إلى مدارس، وأن تصبح موارد الأرض مستشفيات ومصانع، وأن تنشغل العقول بالتنمية بدلاً من التخطيط للدمار، وأن يتنافس المسؤولون في خدمة الناس، ويتنافس المواطنون في العلم والإنتاج والإبداع.

أليس هذا السودان الذي يستحقه أبناؤه؟ أليست هذه الحياة التي خلقنا الله لنسعى فيها بالخير والعدل والإعمار؟

يا أهل السودان، لا تنتظروا أن يتغير الوطن وحده. التغيير يبدأ حين يراجع كل واحد منا نفسه، ويؤدي الأمانة التي بين يديه، ويرفض الظلم، ويحفظ الحقوق، ويقدّم مصلحة الناس على المصلحة الضيقة، ويمنح الأمل فرصةً حقيقية.

إن كنت مسؤولاً، فأصلح ما تستطيع إصلاحه من موقعك.

وإن كنت صاحب قلم، فاجعل كلمتك جسراً للحقيقة لا وقوداً للكراهية.

وإن كنت معلماً، فازرع في الأجيال قيمة العلم والتعايش والعدل.

وإن كنت أباً أو أماً، فربِّ أبناءك على أن اختلاف الناس لا يسلبهم إنسانيتهم.

وإن كنت مواطناً بسيطاً، فلا تستهن بأثر موقف عادل، أو كلمة طيبة، أو يد تمتد لمحتاج، أو خلافٍ ترفض أن تحوله إلى عداوة.

فليس كل إصلاح يبدأ من القصور، وليس كل خير يحتاج إلى منصب. أحياناً يبدأ الإصلاح من ضميرٍ استيقظ، وإنسانٍ قرر ألا يكون جزءاً من الأذى.

اللهم احفظ السودان وأهله، وارحم من فقدنا، واشفِ الجرحى، وردّ الغائبين إلى أهلهم سالمين، وآوِ النازحين، وأطعم الجائعين، واجبر قلوب الأمهات والأطفال، واهدِ من بيده القرار إلى ما فيه حقن الدماء وحفظ الحقوق وصلاح البلاد والعباد.

اللهم ارزق السودان قيادةً تخافك في شعبها، وعدلاً لا يُفرّق بين الناس، وسلاماً يحفظ الكرامة، وعلماً يرفع الجهل، وعملاً يحفظ للإنسان كرامته، وتنميةً تجعل خير هذه الأرض نصيباً لأهلها جميعاً.

وأنت يا من تقرأ هذه الكلمات… قبل أن تمضي، اسأل نفسك ثلاثة أسئلة:

هل كنت اليوم سبباً في إصلاح شيء، أم في إفساده؟

هل أنصفت إنساناً اختلفت معه، أم ظلمته بسبب اختلافه معي؟

وإذا سألني الله عن دوري في حياة الناس ومستقبل السودان، فبماذا سأجيبه؟

لا أحد منا يستطيع أن يفعل كل شيء، لكن كل واحد منا يستطيع أن يفعل شيئاً. وحين يتحمل كل إنسان مسؤوليته، يصبح الأمل عملاً، ويصبح السلام مشروعاً، ويصبح الوطن أكثر من مجرد أرض نختلف عليها؛ يصبح بيتاً آمناً يتسع لنا جميعاً.

السودان ليس فقيراً في أرضه، ولا في موارده، ولا في عقول أبنائه… السودان يستحق أن ينتقل من استنزاف الإنسان إلى بناء الإنسان، ومن الخوف إلى الأمان، ومن الصراع إلى العدل والتنمية.

فيا رب، لا تجعل السودان وطناً يورّث أبناءه الحزن، بل وطناً يورّثهم الأمان والأمل والكرامة.

اللهم أصلح السودان، واجمع أهله على الحق والعدل والخير، واجعل القادم أجمل مما مضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى