المنوعات والثقافة

لو كنتُ أبي يا برهان… لطلبتُ منك ما طلبه السابقون

متابعات -السودان الآن

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

لو كنتُ أبي يا برهان… لطلبتُ منك ما طلبه السابقون

خاص – السودان الآن – في تاريخ الأمم، كثيرًا ما كان الآباء يوصون أبناءهم بكلمات قليلة لكنها تحمل معاني كبيرة؛ كلمات تختصر الحكمة، وتختزل التجارب، وتضع أمام القادة طريقًا واضحًا بين مسؤولية الحكم وأمانة الوطن. ولو قُدِّر لي أن أكون أبًا يخاطب ابنه وهو يتولى أمر السودان، لقلت له كلامًا بسيطًا لكنه عميق المعنى: إن الحكم ليس سلطة، بل أمانة؛ وليس امتيازًا، بل مسؤولية أمام الله وأمام الناس وأمام التاريخ.

يا برهان…

لو كنتُ أبي، لقلت لك إن ولاية الأمر في الإسلام ليست تشريفًا بقدر ما هي تكليف ثقيل. وقد قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يومًا إن بغلةً لو عثرت في العراق لسُئل عنها. تلك الكلمات لم تكن مجرد بلاغة، بل كانت منهج حكم يقوم على الشعور العميق بالمسؤولية تجاه الناس، صغيرهم وكبيرهم، قريبهم وبعيدهم.

لو كنتُ أبي لقلت لك إن أعظم ما يمكن أن يقدمه القائد لشعبه هو العدل. فالعدل هو الذي يصنع الاستقرار، وهو الذي يفتح أبواب التنمية، وهو الذي يجعل المواطن يشعر أن الدولة له وليست عليه. والعدل لا يعرف حزبًا ولا قبيلة ولا جهة، بل يعرف الوطن وحده.

ولو كنتُ أبي لذكّرتك أن الدول المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه فقط بالقوة أو الموارد، بل بالفكرة الواضحة: خدمة الإنسان أولًا. فالدولة القوية تبدأ من مدرسة جيدة، ومن معلم مكرَّم، ومن جامعة تفتح أبواب المعرفة، ومن مؤسسات تحترم الكفاءة وتكافئ العمل.

يا برهان…

إن التعليم ليس قطاعًا من قطاعات الدولة فحسب، بل هو أساس بناء الدولة نفسها. فالمعلم الذي يقف في الفصل اليوم هو الذي يصنع الطبيب والمهندس والجندي والقاضي غدًا. وإذا كُرِّم المعلم ووجد الدعم والتقدير، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستقبل البلاد.

ولو كنتُ أبي لقلت لك إن السودان بلد واسع بثقافاته وأعراقه وتقاليده، وهذا التنوع ليس مشكلة بل فرصة عظيمة لبناء وطن متماسك. فالشعب السوداني يستطيع أن يجتمع تحت راية القومية السودانية، حيث يكون الانتماء للوطن فوق كل انتماء آخر، وتكون المواطنة هي الأساس الذي يجمع الجميع.

إن توحيد الناس لا يتحقق بالشعارات، بل بالعدالة في القانون، والإنصاف في الفرص، والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع. وهنا يلتقي قانون الدولة مع القيم التي أرساها الإسلام في العدل والتعايش وحفظ الحقوق.

ولو كنتُ أبي لقلت لك إن السياسة الذكية ليست في العداوات، بل في إدارة العلاقات بحكمة. فالعالم اليوم قائم على المصالح المشتركة، والدولة الناجحة هي التي تبني علاقاتها الخارجية على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة الوطنية، دون تفريط في السيادة أو الكرامة.

السودان يستطيع أن يكون جسرًا للتعاون الإقليمي والدولي، إذا أحسن إدارة علاقاته، وقدم نفسه كشريك موثوق يسعى للاستقرار والتنمية، لا للصراع أو التوتر.

يا برهان…

إن أكبر قوة لأي دولة ليست في سلاحها فقط، بل في ثقة شعبها بها. عندما يشعر المواطن أن الدولة تعمل لأجله، وأن القيادة تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية أو الحزبية أو القبلية، فإن الشعب يصبح شريكًا حقيقيًا في البناء.

والشعوب عندما تتوحد حول فكرة الوطن تستطيع أن تتجاوز أصعب الظروف، لأن الإيمان بالمستقبل هو أعظم طاقة يمكن أن يمتلكها مجتمع.

ولو كنتُ أبي لقلت لك إن القيادة الحكيمة لا تُقاس فقط بالقرارات الكبيرة، بل بالاهتمام بالتفاصيل التي تمس حياة الناس:

في المزارع الذي ينتظر دعمًا ليزرع أرضه،

وفي العامل الذي يبحث عن فرصة كريمة،

وفي الطالب الذي يحلم بمستقبل أفضل،

وفي الأسرة التي تريد الأمان والاستقرار.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية صورة الوطن الكبير.

يا برهان…

السودان بلد غني بإنسانه قبل موارده. فإذا وُضعت السياسات التي تعطي الأولوية للإنتاج، وتدعم المزارعين والصناعيين وأصحاب الحرف، فإن الاقتصاد يمكن أن يقف على قدميه، ويصبح المواطن شريكًا في التنمية لا مجرد متلقٍ للقرارات.

وفي نهاية الأمر، لو كنتُ أبي لقلت لك إن التاريخ لا يذكر القادة بطول فترة حكمهم، بل بما قدموه لشعوبهم. فهناك من مروا سريعًا لكن أثرهم بقي طويلًا، وهناك من طال حكمهم ولم يبقَ من ذكراهم شيء.

السودان اليوم يحتاج إلى قيادة تجمع ولا تفرّق، تبني ولا تهدم، تنظر إلى المستقبل بعين الحكمة، وتضع الإنسان السوداني في قلب كل قرار.

وإن تحقق ذلك، فلن يكون ذلك نجاح قائد واحد، بل نجاح وطن بأكمله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى