المنوعات والثقافة

لا يكفي أن نلوم المسؤول.. هناك حقيقة أخرى

متابعات - السودان الآن

لا يكفي أن نلوم المسؤول.. هناك حقيقة أخرى

يا سوداني، يا بنت بلدي، يا ابن بلدي…

خاص – السودان الآن – كلنا بنحلم بسودان مختلف؛ وطن يسوده السلام، ويجد فيه الإنسان كرامته، ويأمن فيه على نفسه وأسرته، ويعيش فيه الفقير والغني تحت مظلة القانون، وتكون فيه الفرص متاحة على أساس الكفاءة، لا المحسوبية والانتماء.

نحلم بوطن لا يضطر فيه الأب إلى العجز أمام احتياجات أبنائه، ولا تخاف فيه الأم على مستقبل أطفالها، ولا يضيع فيه حق الإنسان لأنه ضعيف أو لا يملك من يدافع عنه.

لكن وسط كل هذه الأحلام، هناك سؤال مهم يستحق أن نقف عنده قليلًا:

هل يكفي أن نحلم بسودان أفضل، أم أننا مستعدون للمساهمة في بنائه، حتى لو بدأ التغيير من أنفسنا؟

لسنا هنا لنحمّل المواطن البسيط مسؤولية الحرب أو الفساد أو انهيار المؤسسات، ولسنا لنبرئ من أساء استخدام السلطة أو أضاع حقوق الناس. فلكل جهة مسؤوليتها، ولكل صاحب سلطة واجب في حماية الحقوق وأداء الأمانة.

لكننا نتحدث عن المساحة التي نستطيع التأثير فيها، وعن السلوك الذي يمكن أن نغيّره، وعن المجتمع الذي نريد أن نتركه لأبنائنا.

فالوطن لا يحتاج إلى من يرفع الشعارات فقط؛ يحتاج أيضًا إلى من يحوّل القيم التي يتحدث عنها إلى أفعال يراها الناس في حياتهم اليومية.

أولًا: لا تطالب بالعدل وتظلم من هو أضعف منك

من السهل أن نطالب المسؤول بالعدل، وأن نرفض الفساد عندما نراه في المؤسسات، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تكون لدينا القدرة على التأثير في حقوق الآخرين.

هل يدفع صاحب العمل أجرة العامل كاملة وفي موعدها؟ وهل يرفض التاجر استغلال حاجة الناس؟ وهل يحفظ الموظف الأمانة التي اؤتمن عليها؟ وهل يعترف الإنسان بخطئه عندما يظلم غيره؟

العدل ليس قيمة نطالب بها عندما نكون ضحايا فقط؛ بل مبدأ يجب أن نتمسك به عندما نكون قادرين على إنصاف الآخرين.

ولا يجوز أن نبرر لأنفسنا الخطأ لأن غيرنا ارتكبه، أو أن نقبل الظلم إذا كان المستفيد منه شخصًا نحبه.

السودان العادل يبدأ بمجتمع يرفض الظلم، ثم يطالب بمؤسسات عادلة وقانون يُطبّق على الجميع دون استثناء.

ثانيًا: الكلمة أمانة.. فلا تجعلها سببًا في ظلم الناس

في زمن الحرب والأزمات، قد تكون المعلومة غير المؤكدة أخطر من أن تُنشر دون تفكير.

قد تنقل إشاعة بدافع الحماس، أو تعيد نشر اتهام لأنك تثق في صاحبه، أو تهاجم شخصًا لأنك تختلف معه في الرأي. لكن ماذا لو كانت المعلومة كاذبة؟ وماذا لو تسببت في تشويه سمعة إنسان أو إثارة الخوف بين الأسر أو زيادة العداوة بين أبناء الوطن؟

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

فلنجعل التثبت عادة، ولنتذكر أن حذف منشور خاطئ وتصحيح المعلومة فضيلة، وليس هزيمة.

ولنختلف دون إساءة، وننتقد الأفعال دون اختلاق الاتهامات، ونطالب بالمحاسبة بناءً على الأدلة، لا على الشائعات والانتماءات.

قد تنتهي مشاركة إلكترونية في ثوانٍ، لكن أثرها في حياة إنسان قد يستمر طويلًا.

ثالثًا: لا تجعل الاختلاف سببًا لتمزيق المجتمع

السودان بلد متنوع، يجمع بين ثقافات ولهجات ومناطق وقبائل وتجارب مختلفة. وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا قامت العلاقة بين أبنائه على الاحترام والحقوق المشتركة.

لكن الخطر يبدأ عندما نحكم على الإنسان من قبيلته أو منطقته، أو نرفض سماع رأيه لمجرد أنه يختلف معنا، أو نعتبر الإساءة إلى مجموعة كاملة أمرًا مقبولًا بسبب خطأ ارتكبه أحد أفرادها.

ليس مطلوبًا أن نتفق في كل شيء، وليس كل اختلاف يمكن حسمه بسهولة. المطلوب أن نتعلم كيف نختلف دون أن ننزع عن بعضنا حق الكرامة والانتماء إلى الوطن.

يمكنك أن ترفض رأي شخص، وأن تنتقد موقفه السياسي، وأن تطالب بمحاسبته إذا ارتكب مخالفة، دون أن تحوّل الخلاف إلى كراهية جماعية.

نحتاج إلى وطن يتسع للاختلاف، لكنه لا يتساهل مع الظلم أو الاعتداء على الحقوق.

رابعًا: الإصلاح يبدأ من البيت قبل أن يصل إلى الشارع

الأسرة ليست مجرد مكان نعيش فيه؛ إنها المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الصدق والرحمة والعدل واحترام الآخرين.

عندما يرى الطفل أباه يعترف بخطئه، يتعلم أن الاعتراف ليس عيبًا. وعندما يرى أمه تحترم العامل البسيط كما تحترم صاحب المنصب، يتعلم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بماله. وعندما يشاهد والديه يحلان الخلاف بالحوار بدل الإهانة، يتعلم أن القوة ليست في رفع الصوت.

فلنربِّ أبناءنا على أن الأمانة أهم من المكسب السريع، وأن احترام المرأة والرجل واجب، وأن الاختلاف لا يبرر الاعتداء، وأن النجاح الذي يقوم على الغش ليس نجاحًا حقيقيًا.

ولنمنح أبناءنا فرصة السؤال والنقاش، بدل أن نطلب منهم الطاعة العمياء في كل شيء. فالمجتمع الذي يريد مستقبلًا أفضل يحتاج إلى أجيال تفكر، وتتحمل المسؤولية، وتحترم القانون، وتعرف حقوقها وواجباتها.

إذا أردنا تغيير مستقبل السودان، فعلينا أن نهتم بالإنسان الذي سيصنع ذلك المستقبل.

خامسًا: لا تحتقر العمل الصغير.. فالإصلاح ليس حكرًا على أصحاب المناصب

قد يقول أحدنا: ماذا أستطيع أن أفعل وأنا لا أملك سلطة أو مالًا أو قدرة على تغيير الأوضاع الكبيرة؟

والإجابة أن قدرتنا ليست متساوية، ومسؤولياتنا ليست واحدة، لكن كل إنسان يستطيع أن يبدأ من موقعه.

يمكن للمعلم أن يزرع الأمانة في طلابه، وللتاجر أن يرفض الغش، وللصحفي أن يتحرى الدقة، وللطبيب أن يؤدي واجبه، وللعامل أن يتقن عمله، وللجار أن يتفقد جاره المحتاج، وللشاب أن يساعد في حل مشكلة بدل أن يزيدها تعقيدًا.

ويمكن لمن لا يملك المال أن يساعد بكلمة طيبة أو وقت أو جهد، كما يمكن لمن يملك القدرة أن يدعم أسرة محتاجة أو يساهم في مبادرة نافعة.

لكن العمل الفردي، مهما كانت أهميته، لا يُغني عن مسؤولية الدولة في توفير الخدمات، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة، ومحاسبة المقصرين. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى ضمير حي ومؤسسات مسؤولة في الوقت نفسه.

لا نريد مواطنًا يتحمل وحده أخطاء النظام، ولا نريد مواطنًا يتخلى عن كل مسؤولية بحجة أن الإصلاح من اختصاص الآخرين.

نريد إنسانًا يعرف حقوقه، ويؤدي واجباته، ويرفض الظلم، ويساهم بما يستطيع.

وقفة صادقة مع النفس

قبل أن تنهي هذه الحلقة، امنح نفسك دقيقة واحدة، وأجب بصدق عن الأسئلة التالية:

هل هناك حق لشخص آخر ما زلت أستطيع إعادته إليه؟

هل شاركت في نشر معلومة لم أتأكد من صحتها؟

هل أتعامل مع الناس بعدل، حتى عندما أختلف معهم؟

هل أربي أبنائي على القيم التي أطالب المجتمع بالالتزام بها؟

ما العمل الواحد الذي أستطيع القيام به خلال الأيام السبعة القادمة، ليكون أثره نافعًا لشخص أو لأسرتي أو لمجتمعي؟

لا تجب عن هذه الأسئلة لتجلد نفسك، بل لتحدد نقطة البداية.

فكل إنسان لديه ما يستطيع تحسينه، والاعتراف بالتقصير ليس نهاية الطريق؛ بل قد يكون أول خطوة فيه.

السودان الذي نريده مسؤولية مشتركة

يا سوداني…

ربما لا تستطيع وحدك أن توقف الحرب، أو تعيد الخدمات إلى كل مدينة، أو تنهي الفقر والفساد. وهذه مسؤوليات كبيرة تتطلب قرارات ومؤسسات وجهودًا جماعية.

لكن تستطيع أن ترفض الظلم في حدود قدرتك، وأن تحافظ على الأمانة التي بين يديك، وأن تتحقق قبل نشر الأخبار، وأن تحمي أسرتك من الكراهية، وأن تمد يد العون لمن يحتاج، وأن تطالب بحقوقك وحقوق الآخرين بالطرق المشروعة.

ولا تجعل إصلاح نفسك بديلًا عن المطالبة بإصلاح المؤسسات، كما لا تجعل أخطاء المؤسسات مبررًا للتخلي عن قيمك.

إننا نحتاج إلى دولة تحترم مواطنيها، ومؤسسات تخضع للمحاسبة، وقانون يحمي الجميع، وتعليم يفتح أبواب المستقبل، ومجتمع يتعاون أبناؤه بدل أن يتنازعوا على ما تبقى من فرص الحياة.

ونحتاج، قبل ذلك ومعه، إلى أن نؤمن بأن كرامة الإنسان ليست امتيازًا تمنحه القبيلة أو السلطة أو الثروة؛ بل حق يجب احترامه.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

فلنبدأ بما نستطيع، ولنطالب بما يجب، ولنرفض أن يتحول اليأس إلى استسلام، أو الغضب إلى كراهية، أو الاختلاف إلى عداوة.

السودان الذي نحلم به لن يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعدل الذي نمارسه، والأمانة التي نحفظها، والحقوق التي نصونها، والعمل الذي نقدمه، والمؤسسات التي نصلحها ونحاسبها.

اللهم أصلح حال السودان وأهله، واحفظ دماءهم وكرامتهم، واجمع قلوبهم على الحق والسلام، وارزقهم العدل والأمان، واجعلهم من أهل الإصلاح والخير.

سؤال الحلقة للنقاش

في رأيك، ما السلوك الذي لو بدأ كل سوداني بتغييره في نفسه، لكان له أكبر أثر في إصلاح المجتمع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى