المنوعات والثقافة

ليس كل ما في السودان وجعاً.. وليس كل ما ينتظرنا في المستقبل يشبه ما عشناه في الماضي

متابعات - السودان الآن

ليس كل ما في السودان وجعاً.. وليس كل ما ينتظرنا في المستقبل يشبه ما عشناه في الماضي

خاص بالسودان الآن – في زحمة الأخبار الحزينة، قد ينسى الإنسان أن للحياة وجهاً آخر؛ وجهاً لا يظهر كثيراً في نشرات الأخبار، لكنه موجود في تفاصيل الناس، وفي ضحكات الأطفال، وفي أمّ تحاول أن تصنع يوماً جميلاً لأسرتها رغم ضيق الحال، وفي شاب ما زال يحلم بمشروع صغير، وفي معلّم يؤمن أن جيلاً أفضل يمكن أن يأتي، وفي إنسان يمد يده لغيره دون أن يسأله عن قبيلته أو منطقته أو موقفه.

هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تذكّرنا بأن الحياة أكبر من اللحظة الصعبة التي نعيشها.

السودان ليس مجرد خريطة للحرب، بل حكاية شعب كامل.

حكاية فيها مزارع ينتظر المطر، وطالب يحلم بالتخرج، وأم تتمنى أن ترى أبناءها في أمان، وشاب يريد أن يعمل بكرامة، ومغترب يحمل في قلبه صورة البيت والحي والأصدقاء، وإنسان يتمنى أن يأتي يوم يجتمع فيه أهله دون خوف، وأن تصبح العودة إلى الوطن خبراً للفرح لا مناسبة لاسترجاع الأحزان.

كل هؤلاء، رغم اختلاف ظروفهم، يجمعهم شيء واحد: الرغبة في حياة تستحق أن تُعاش.

ماذا لو نظرنا إلى السودان من نافذة أخرى؟

تخيّلوا بلداً يصبح فيه نجاح شاب من الشرق مصدر فرح لأهل الغرب، ويجد فيه ابن الشمال والجنوب والوسط نفسه شريكاً في الحلم ذاته.

تخيّلوا أن تصبح عودة المدارس مناسبة يتفاءل بها الناس، وأن يُنظر إلى المستشفى الذي يستعيد خدماته باعتباره انتصاراً للحياة، وأن يجد الشباب مساحة لتحويل أفكارهم إلى مشروعات، وأن تصبح الزراعة والصناعة والتعليم فرصاً حقيقية لبناء مستقبل أفضل.

هذه ليست أحلاماً منفصلة عن الواقع، ولا تعني أن الطريق سهل أو أن الأزمات ستختفي بمجرد التفاؤل. لكنها تذكّرنا بأن البلد الذي نريد بناءه يستحق أن نتحدث عنه، مثلما نتحدث عن البلد الذي أتعبتنا أزماته.

فليس من الضروري أن ننتظر حتى تنتهي كل المشكلات لنبدأ التفكير في المستقبل.

يمكن أن يبدأ المستقبل بفكرة، ثم تتطور الفكرة إلى مبادرة، وتصبح المبادرة عملاً، ويكبر العمل حين يجد من يدعمه ويحميه.

أجمل ما يمكن أن يحدث للسودان

ربما لا يكون أجمل يوم في السودان هو اليوم الذي يسمع فيه الناس خبراً ساراً فحسب، بل اليوم الذي يشعر فيه المواطن أن حياته بدأت تتحسن بالفعل.

أن يجد الشاب فرصة للعمل بدلاً من أن يظل الحلم الوحيد أمامه هو مغادرة البلاد.

أن تعود الطفلة إلى مقعد الدراسة وهي تحلم بما ستصبح عليه حين تكبر.

أن يجد المريض علاجاً، وأن يجد المجتهد تقديراً، وأن يشعر صاحب الفكرة أن هناك من يسمعه، وأن يعرف المواطن أن حقه لا يتوقف على معرفته بشخص نافذ أو صاحب سلطة.

وأن تصبح الكفاءة والأمانة وخدمة الناس قيماً يجد أصحابها التقدير، أياً كانت مناطقهم أو انتماءاتهم.

هذه التفاصيل هي التي تمنح الأمل معناه الحقيقي؛ لأن الأمل ليس مجرد شعور جميل، بل إحساس بأن الحياة يمكن أن تتغير إلى الأفضل.

فكرة صغيرة.. وأثرها قد يكون كبيراً

تخيّلوا لو أن كل مدينة وقرية وحي في السودان أصبح لديه مشروع صغير يتفق الناس على أنه يخدم الجميع: مكتبة للأطفال، أو مساحة لتعليم الشباب مهارة، أو مبادرة لدعم الطلاب، أو سوق للمنتجات المحلية، أو مشروع لتأهيل مرفق يحتاج إليه السكان.

لن تحل هذه المبادرات وحدها مشكلات بلد بحجم السودان، ولن تعفي المؤسسات والجهات المسؤولة من واجباتها. لكنها تستطيع أن تفتح أبواباً للعمل والتعاون، وأن تعيد للناس الشعور بأن المستقبل ليس شيئاً ينتظرونه فقط، بل شيئاً يمكنهم المشاركة في صناعته.

وما أجمل أن تتحول المنافسة بين المجتمعات من التفاخر بما تملك إلى التنافس في ما تقدمه للناس!

أي منطقة تستطيع أن تقدم نموذجاً أفضل في التعليم؟ وأي مدينة تستطيع أن تفتح فرصاً أوسع للشباب؟ وأي مجتمع يستطيع أن يحافظ على موارده ويمنح أطفاله بيئة أكثر أماناً؟

هنا يصبح الاختلاف مصدر ثراء، ويصبح النجاح الفردي باباً لنجاح الآخرين.

ولأننا نستحق الفرح أيضاً..

ليس مطلوباً من الإنسان أن يكون قوياً طوال الوقت، ولا أن يخفي حزنه حتى يثبت أنه متفائل.

من حق السوداني أن يفرح بلقاء عزيز، وأن يضحك مع أسرته، وأن يحتفل بنجاح ابنه، وأن يستمتع بلحظة هادئة، وأن يحلم ببيت آمن ومستقبل أفضل.

الفرح ليس إنكاراً للوجع، كما أن الأمل ليس تجاهلاً للواقع.

أحياناً تكون لحظة الفرح الصغيرة هي ما يمنح الإنسان القدرة على مواصلة يومه، وأحياناً تكون كلمة طيبة سبباً في أن يشعر شخص بأنه ليس وحده.

ولعلنا نحتاج، وسط كل ما نتابعه من أخبار، إلى أن نمنح مساحة أكبر للحكايات التي تذكّرنا بقدرة الناس على التعلم والعمل والإبداع والتعافي.

فالسودانيون لا يستحقون أن تُروى عنهم قصص المعاناة وحدها؛ يستحقون أيضاً أن تُروى قصص أحلامهم، ونجاحاتهم، وأفكارهم، وكل ما يمكن أن يجعل الغد أفضل من الأمس.

كلمة أخيرة

لا أحد يعرف على وجه اليقين كيف ستكون الأيام القادمة، لكننا نستطيع أن نختار ألا نجعل الماضي وحده يحدد الصورة التي نرسمها للمستقبل.

ربما يكون السودان الذي نحلم به أبعد من قدرتنا اليوم، لكنه ليس بعيداً عن خيالنا، ولا عن حق أبنائنا في أن يعيشوا حياة أفضل.

وما بين الحلم والواقع توجد مساحة واسعة للعمل والعلم والإبداع والتعاون، وتوجد مسؤوليات على المؤسسات والقيادات، كما توجد فرص أمام المجتمعات والأفراد للمشاركة في البناء.

فلنترك لأطفالنا مساحة يحلمون فيها ببلد أجمل، ولشبابنا فرصة يتخيلون فيها مستقبلاً أوسع، ولأنفسنا حقاً في الفرح لا تلغيه صعوبة الظروف.

فالسودان الذي نحبه ليس فقط السودان الذي نحزن عليه اليوم، بل السودان الذي نتمنى أن نفرح به غداً.

وربما، حين يأتي ذلك الغد، سنكتشف أن بعض البدايات الجميلة كانت قد وُلدت منذ اللحظة التي قررنا فيها أن نرى في وطننا أكثر من أزماته، وفي شعبنا أكثر من آلامه، وفي المستقبل أكثر من مخاوفنا.

السودان يستحق أن نحلم به جميلاً.. وأن نمنح هذا الحلم فرصة ليصبح واقعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى