المنوعات والثقافة

السودان في خطر آخر.. هل أصبحنا أعداء أنفسنا؟

متابعات - السودان الآن

السودان في خطر آخر.. هل أصبحنا أعداء أنفسنا؟

خاص بالسودان الآن – هناك سؤال يستحق أن يطرحه كل سوداني على نفسه، بعيداً عن الضجيج السياسي والعسكري، وبعيداً عن الغضب والانتماءات والمواقف المسبقة:

نحن مختلفون حول أطراف الحرب، لكن هل نحن متفقون على مصلحة السودان؟

اليوم، يقف بعض السودانيين مع الجيش، وآخرون مع قوات الدعم السريع، وفريق ثالث يرفع صوته مطالباً بالسلام وإيقاف الحرب. ولكل مجموعة أسبابها وتفسيراتها ومخاوفها، وقد تختلف رؤى الناس بحسب تجاربهم وما عاشوه وما وصل إليهم من معلومات.

لكن وسط كل هذه المواقف، هناك سؤال أكبر: ماذا نريد للسودان بعد كل هذا؟

هل نريد بلداً تنتصر فيه جهة عسكرية، ثم يجد المواطن نفسه أمام دولة ضعيفة ومؤسسات عاجزة واقتصاد منهك؟ أم نريد وطناً تكون فيه قيمة الانتصار مرتبطة بقدرته على حماية الإنسان، وتحقيق العدالة، وتوفير التعليم والعلاج والعمل والأمان؟

وهل يكفي أن يكون الإنسان مقتنعاً بموقفه حتى يصبح موقفه صحيحاً بالنسبة لمستقبل بلده؟

الاختلاف في الرأي ليس مشكلة في حد ذاته، بل قد يكون دليلاً على حيوية المجتمع. ومن حق الإنسان أن تكون له قناعاته السياسية والوطنية، وأن يعبّر عنها ويدافع عنها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة مع المجتمع، وعندما يصبح الإنسان غير قادر على رؤية أي حقيقة خارج موقفه، أو يرفض الاعتراف بمعاناة الآخرين لمجرد أنهم ينتمون إلى الطرف الذي يختلف معه.

هنا لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى جدران تفصل أبناء الوطن الواحد.

ولنتأمل أمراً آخر: هل يمكن أن نبني دولة قوية بعقلية ترى أن كل من يخالفنا عدو، وأن كل من ينتقد موقفنا لا يريد الخير للسودان؟

الدول لا تُبنى بهذه الطريقة. الدول تُبنى بالمؤسسات، والقانون، وتداول الرأي، واحترام الإنسان، والقدرة على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى صراع دائم.

وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يكفي أن نتوقف عن الحرب حتى يصبح السودان بخير؟

بالطبع لا.

فالسودان يحتاج إلى أكثر من وقف إطلاق النار. يحتاج إلى إصلاح التعليم، وإعادة بناء المستشفيات، وتأهيل الطرق والمرافق، وتطوير الزراعة والصناعة، وخلق فرص العمل، واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ويحتاج قبل ذلك إلى ثقافة جديدة تجعل الإنسان يشعر أن بلده يستحق منه أن يفكر في مستقبله، لا أن يظل أسيراً لمعارك الماضي.

وهنا نصل إلى قضية كثيراً ما نتجاوزها في نقاشاتنا: مسؤولية المجتمع عن الجهل والتخلف وضعف الوعي.

أحياناً نسمع من يصف بعض المواطنين بأنهم لا يفهمون، أو يسخر من سكان المناطق الريفية، أو يصف أصحاب المهن البسيطة بأوصاف تنتقص من قيمتهم الإنسانية.

لكن دعونا نسأل: من المسؤول عن توفير التعليم في القرى والمناطق البعيدة؟ ومن المسؤول عن وصول المدارس والمعلمين والكتب إلى الأطفال؟ ومن الذي يفترض أن يهيئ للإنسان فرص التعلم والعمل واكتساب المهارات؟

أليست الدولة مسؤولة عن بناء منظومة تعليمية تصل إلى الجميع، دون تمييز بين مدينة وقرية، أو منطقة وأخرى؟

إن الإنسان الذي لم تتح له فرصة التعليم لا يجوز أن يتحول إلى مادة للسخرية والاحتقار. فقد يكون حُرم من المدرسة بسبب الفقر أو النزوح أو غياب المؤسسات، وربما لم يجد من يرشده أو يساعده على اكتساب المعرفة.

لكن هذا لا يعني أن المسؤولية تقع على الدولة وحدها؛ فالمجتمع أيضاً له دور، والأسرة لها دور، والمثقف والإعلامي والمعلم والشاب المتعلم، كل منهم يستطيع أن يساهم في نشر المعرفة وتصحيح المفاهيم ومساعدة الآخرين على فهم الحياة.

فبدلاً من أن نسخر من إنسان لا يعرف، لماذا لا نساعده على أن يعرف؟

وبدلاً من أن ننفق طاقتنا في تخوين بعضنا، لماذا لا نوجه جزءاً منها نحو تعليم الأطفال، ومحو الأمية، وتطوير المهارات، وتشجيع الشباب على العمل والإنتاج؟

وهنا تظهر قيمة الوعي الحقيقي؛ فالوعي ليس أن تعرف أسماء القادة والسياسيين، ولا أن تحفظ تفاصيل المعارك والتحالفات فقط، بل أن تعرف حقوقك وواجباتك، وأن تميز بين المعلومة والشائعة، وأن تدرك كيف تُدار الدولة وكيف تُحمى مصالح الناس.

السودان يحتاج إلى مواطن يفكر، لا مواطن يكتفي بالتصفيق. ويحتاج إلى دولة تخدم شعبها، لا شعب يظل يبحث عن أبسط حقوقه.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن نتركه أمام الجميع هو:

إذا كانت لدينا أموال تُنفق، وطاقات بشرية تُبذل، وعقول مشغولة ليل نهار بالصراع، فكم كان يمكن أن ننجز بهذه الإمكانات لو وُجه جزء معتبر منها نحو بناء المدارس والمستشفيات والمصانع والطرق ومشروعات الزراعة؟

كم شاباً كان يمكن أن يجد فرصة عمل؟ وكم طفلاً كان يمكن أن يتعلم؟ وكم أسرة كان يمكن أن تعيش بكرامة؟

لسنا هنا بصدد إنكار تعقيدات الحرب أو تجاهل مسؤوليات أطرافها، ولسنا مطالبين بأن نتفق جميعاً على تفسير واحد لما يحدث. لكن من حق السودان علينا أن نحتفظ بمساحة من التفكير تتجاوز الاصطفافات، وأن نسأل عن النتائج التي ستبقى في حياة الناس.

فالجيش والدعم السريع والقوى السياسية والمجتمعية، وكل من له تأثير في مستقبل البلاد، ينبغي أن تُقاس مواقفه وقراراته بما تتركه من أثر على أمن السودان ووحدته ومؤسساته ومستقبل أجياله.

وفي النهاية، لا نريد سوداناً ينتصر فيه بعض أبنائه على بعض، ثم يخسر الجميع وطنهم. نريد سوداناً يجد فيه المختلفون مساحة للعيش والعمل والاختلاف تحت مظلة دولة تحمي الجميع بالقانون.

قد نختلف اليوم حول الطريق، لكن ينبغي ألا نختلف حول قيمة الوصول إلى وطن آمن وعادل ومتعلم ومنتج.

فالسودان ليس ملكاً لجماعة، ولا لطرف، ولا لجيل واحد. السودان مسؤولية مشتركة، ومستقبله أكبر من خنادقنا، وأغلى من أن نختصره في انتصار هذا الطرف أو ذاك.

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا من اليوم:

عندما تنتهي هذه الحرب، ماذا سنكون قد أعددنا للسودان؟ وهل سنجد وطناً أفضل، أم سنكتشف أننا انشغلنا بالصراع حتى نسينا بناء الوطن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى