لم يعد هذا وطننا: يونانيون يودعون السودان
متابعات – السودان الآن – في أواخر أغسطس عام 1965، بدا المشهد داخل النادي الهيليني في الخرطوم مختلفًا عما اعتاده رواده، إذ جلس عدد قليل من اليونانيين حول طاولات شبه خالية يلعبون الورق بلا حماس، بينما عبّر أحدهم عن شعورٍ متزايد بأن السودان لم يعد وطنهم كما كان في السابق.
وأوضح أن الجالية اليونانية عاشت سنوات طويلة في علاقة ودية مع السودانيين، لكنها بدأت تشعر بتغير في المناخ العام، حيث تقلص عدد أعضاء النادي من نحو 200 إلى أقل بكثير خلال عام واحد فقط.
وقال يوناني قبرصي وُلد في السودان إن كثيرين من أبناء الجيل الجديد باتوا يتهمون الجالية بالارتباط بالإمبريالية، وهو ما اعتبره اتهامًا غير صحيح، مؤكدًا أن معظم اليونانيين جاءوا للعمل فقط، إلا أن عدداً كبيراً منهم بدأ يغادر لعدم رؤيته مستقبلاً واضحاً في البلاد.
وأصبح نزوح الجالية ظاهرًا في إعلانات المزادات التي امتلأت بها الصحف، حيث جرى بيع ممتلكات المغادرين بشكل متواصل.
ومنذ مطلع القرن العشرين لعب اليونانيون دوراً مهماً في النشاط التجاري داخل السودان، حيث انتشرت أعمالهم في العاصمة والمدن الكبرى جنوبًا وشرقًا وغربًا، وسيطروا على جزء معتبر من تجارة وسط الخرطوم.
وقبل نحو عشر سنوات قُدّر عددهم بحوالي ستة آلاف شخص، إلا أن العدد تراجع إلى ما يزيد قليلاً على أربعة آلاف، مع مغادرة ما بين 400 و500 يوناني خلال عام واحد فقط، نتيجة سياسات سودنة الاقتصاد والقلق من الأوضاع السياسية والاقتصادية.
وغالبية المغادرين كانوا من الشباب والمهنيين مثل الموظفين والحرفيين والأطباء وصغار التجار، بينما فضّل أصحاب الممتلكات البقاء مؤقتاً مع تجميد التوسع التجاري، وتحويل بعض الأصول إلى سيولة وسحب مدخرات من المصارف.

وفي تلك الفترة، تأثرت بعض الأوساط الشبابية السودانية بأفكار القومية العربية المرتبطة بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، ما أدى إلى انتقادات للجاليات الأجنبية واتهامها بالسيطرة على الوظائف وتحويل الأرباح للخارج.
في المقابل، عبّر رجال أعمال سودانيون من الجيل الأقدم عن قلقهم من فقدان الخبرات الفنية والتجارية، مؤكدين أن البلاد تحتاج إلى المهارات البشرية بقدر حاجتها إلى الموارد.
وأشار أحد تجار القطن السودانيين إلى أن السودان يملك إمكانات اقتصادية كبيرة، لكنه يحتاج إلى الكفاءات التي تساعده على تطويرها، معتبراً أن وجود الأجانب المهرة والمنافسة التجارية عامل صحي لتقدم الاقتصاد المحلي.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في ذلك الوقت، فإن هذه المرحلة مثّلت بداية تحول مهم في تركيبة المجتمع الاقتصادي داخل السودان، مع تراجع الوجود الأجنبي التجاري الذي كان أحد ملامح المدن الكبرى لعقود طويلة













