المنوعات والثقافة

كيف نبني سوداناً يكون أفضل لينا كلنا؟

متابعات - السودان الآن

كيف نبني سوداناً يكون أفضل لينا كلنا؟

خاص بالسودان الآن – في حقيقة مهمة لازم نفهمها، وهي إنو الدولة ما هي الرئيس، وما هي الحكومة، وما هي الوزارات والمباني والمؤسسات بس.

الدولة هي كلنا.

هي العامل البمشي الصباح يؤدي شغله، والموظف البستقبل المواطن، والمدير البيدير المؤسسة، والوزير البخطط للبلد، والمعلم البصنع عقول الأجيال، والطبيب البحافظ على حياة الناس، والمزارع البنتج الغذاء، والتاجر البوفر احتياجات المجتمع، والمواطن البعرف حقوقه وواجباته.

عشان كده، ما ممكن ننتظر السودان يتغير بمجرد تغيير الأشخاص في مواقع المسؤولية، إذا ظلت طريقة التفكير والإدارة والعمل زي ما هي.

ممكن يتغير الوزير، لكن تظل الوزارة بنفس العقليات القديمة.

وممكن يتغير المدير، لكن تظل المؤسسة عاجزة عن أداء دورها.

وممكن تتغير الحكومة، لكن تظل ثقافة إهدار المال العام، وتعطيل مصالح الناس، وغياب المحاسبة موجودة.

وهنا بنصل لحقيقة أكبر: إصلاح الدولة ما مجرد تغيير في السلطة، إصلاح الدولة تغيير في طريقة عمل المجتمع كله.

نحن محتاجين نعيد تعريف المسؤولية.

المسؤولية ما منصب بنحصل عليه، ولا سلطة بنمارسها على الآخرين، المسؤولية أمانة مرتبطة بالنتائج.

المدير مسؤول عن المؤسسة، وليس عن مكتبه ومخصصاته فقط.

والموظف مسؤول عن خدمة الناس، وليس عن الحضور والانصراف فقط.

والحكومة مسؤولة عن توفير الخدمات والعدالة والفرص، وليس عن إصدار القرارات والبيانات فقط.

والمواطن مسؤول عن حماية المرافق العامة واحترام القانون والمشاركة في بناء مجتمعه، وليس عن المطالبة بحقوقه فقط دون إدراك واجباته.

لكن في المقابل، ما مفروض نستخدم الحديث عن مسؤولية المواطن عشان نعفي الدولة ومؤسساتها من واجباتها؛ لأن الحقوق والخدمات والعدالة مسؤوليات أصيلة على مؤسسات الدولة.

والأخطر من غياب الموارد هو غياب ثقافة المسؤولية.

فالدولة التي تمتلك الموارد ولا تحسن إدارتها، قد تظل فقيرة رغم ثرواتها.

والدولة التي تمتلك الكفاءات ولا تضعها في مواقعها المناسبة، قد تخسر عقول أبنائها دون أن تشعر.

والدولة التي لا تحمي المال العام، ولا تكافئ المجتهد، ولا تحاسب المقصر وفق القانون، تفتح الباب أمام استمرار الخلل جيلاً بعد جيل.

السودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء، بل سيحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وإعادة الاعتبار للعمل والإنتاج والانضباط والكفاءة والقانون.

نحتاج إلى مؤسسة يكون فيها معيار التقدم هو الإنجاز، لا العلاقات.

ووظيفة عامة تُقاس قيمتها بما تقدمه للناس، لا بما تمنحه لصاحبها من امتيازات.

ومجتمع يحترم اختلاف أبنائه، ويعرف أن الوطن أكبر من الأحزاب والقبائل والمناطق والانتماءات السياسية.

ليس مطلوباً أن يكون جميع السودانيين متفقين في آرائهم، لكن المطلوب أن يتفقوا على أن الدولة ملك للجميع، وأن مؤسساتها يجب أن تخدم الجميع دون تمييز.

السودان لن يُبنى بانتظار شخص واحد يصلح كل شيء، بل بمنظومة كاملة يعرف فيها كل شخص حدود سلطته وحجم مسؤوليته وحق الآخرين عليه.

فهل نستطيع أن نبدأ مرحلة جديدة لا نسأل فيها فقط: من يحكم السودان؟ بل نسأل أيضاً: كيف تُدار الدولة؟ وكيف تُحمى المؤسسات؟ وكيف نضمن أن يكون العمل العام خدمة للناس وليس امتيازاً لأصحابه؟

لأن الأوطان لا تنهض بالأمنيات وحدها، ولا بالشعارات وحدها، وإنما حين تتحول المسؤولية إلى ثقافة، والقانون إلى مرجعية، والعمل إلى قيمة، والمصلحة العامة إلى أولوية.

السودان الذي نحلم به لن يصنعه شخص واحد.. بل يصنعه شعب يدرك أن بناء الدولة مسؤولية مشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى