في الوطن السودان تحوّل البيت من شيء نملكه إلى شيء ننتظره
اليوم، لم يعد البيت السوداني كما كان في الصور القديمة.
لم تعد الجدران ثابتة، ولا العناوين مؤكدة، ولا المفاتيح في جيوب أصحابها دائمًا.
لكن الغريب… أن معنى البيت لم يضعف، بل اشتد.
في واقعٍ تتبدّل فيه المدن، ويبتعد فيه الناس عن بيوتهم أكثر مما ابتعدت البيوت عنهم، أصبح البيت السوداني فكرة أكثر منه مكانًا.
فكرة تُقاوم الغياب، وتُرمّم ما لا تستطيع الجدران ترميمه.
حين يضيق المكان… ويتّسع المعنى
كثير من السودانيين اليوم يسكنون بيوتًا مؤقتة، غرفًا مستعارة، أو شققًا لا تشبه بيوت طفولتهم.
لكنهم يحملون معهم شيئًا ثابتًا:
طريقة العيش.
ما زال الشاي يُقدَّم قبل السؤال،
وما زالت القعدة تتّسع لزيادة غير متوقعة،
وما زال الصوت يقول: “اعتبر نفسك في بيتك”… حتى لو لم يكن البيت لهم.
البيت الذي لم يعد يجمع… لكنه ما زال يُوحِّد
في الماضي، كان البيت يجمع الأجساد.
اليوم، يجمع الذكريات.
أصبحت الصور تقوم مقام الجدران،
والمكالمات تحلّ محل الجلسات،
وأصبح السؤال اليومي: “وصلت؟ طمّنا” جزءًا من هندسة البيت الحديثة.
البيت السوداني اليوم يمتد بين المدن والدول،
بين قلبٍ هنا، وبابٍ هناك،
لكنه ما زال بيتًا… لأن فيه من يسأل، ومن ينتظر، ومن يدعو.
الأم: العمود الذي لم يسقط
وسط كل هذا التغيّر، بقيت الأم السودانية هي الجدار الذي لم يتصدّع.
تحافظ على شكل البيت، ولو تغيّر المكان.
تزرع الطمأنينة في كلمات قصيرة،
وتعيد ترتيب الفوضى بجملة واحدة:
“ربنا يجمعنا على خير”.
في واقع اليوم، أصبحت هذه الجملة أكثر من دعاء…
أصبحت مشروع حياة.
حين يعود البيت حلمًا
كثيرون اليوم لا يسألون: كيف نُوسّع البيت؟
بل: متى نعود إليه؟
تحوّل البيت من شيء نملكه،
إلى شيء ننتظره.
ومن مكان نعيش فيه،
إلى وعدٍ نُمسك به حتى لا نسقط.
ومع ذلك، لم يفقد البيت السوداني وظيفته الأساسية:
أن يمنح أهله سببًا للاستمرار.
خلاصة اليوم
البيت السوداني اليوم قد يكون بلا عنوان واضح،
لكنّه ليس بلا روح.
قد يكون بعيدًا،
لكنّه حاضر في السلوك، والكلمة، والنية.
وفي واقعٍ قاسٍ،
صار البيت السوداني هو المساحة الوحيدة التي ما زالت تقول لنا بهدوء:
لسه نحن بخير… ولسه بنعرف نعيش











