الخرطوم تنادي أهلها… فمن يكتب الفصل القادم؟
لم تعد الخرطوم كما كانت.
لكنها أيضًا لم تمت.
هي مدينة خرجت من تحت الرماد، لا لتحتفل، بل لتتعلّم الوقوف من جديد.
مدينة أثقلتها السنوات الصعبة، فبدت متعبة، نعم…
لكن في عمقها وعد صامت، لا يراه إلا من ينظر بعين المستقبل.
من يسير اليوم في شوارعها يلحظ شيئًا مختلفًا:
إيقاع الحياة يعود ببطء.
مطارق تُرفع، محلات تُفتح، وورش تتحرّك كأنها تستعيد ذاكرتها.
المدينة لا تصرخ… لكنها تعمل.
الغريب أن كثيرين ممن بدأوا الحركة ليسوا من أهل الذكريات الثقيلة.
جاؤوا بلا أحمال الأمس،
فرأوا ما غاب عن أعيننا:
فرصة تولد من قلب الركام.
هم لا يسألون: ماذا حدث؟
بل يسألون: ماذا يمكن أن يحدث؟
لا يقفون طويلًا عند الحزن،
بل عند أبواب الرزق التي ما زالت ممكنة.
بينما يراقب بعض أهل الخرطوم من بعيد،
كأن المدينة بيت ضاعت مفاتيحه،
هناك من بدأ يرسم ملامح السوق القادم:
مخبز يعيد للشارع رائحته،
ورشة تعود للعمل،
مطعم صغير يجرّب أول زبائنه،
وشاب جديد يحاول نطق الجملة الأولى:
«كيف الحال يا زول؟».
المدن لا تعود بالخطب،
ولا بالشعارات،
بل بأقدام الناس البسطاء
الذين يقررون أن الحياة يجب أن تستأنف، مهما كانت الظروف.
والحقيقة المؤلمة أن الأوطان لا يحرسها الحنين وحده.
الحنين جميل،
لكنه لا يفتح مدرسة،
ولا يشغّل مستشفى،
ولا يعيد ضحكة شارع قديم.
ما يجري اليوم امتحان هادئ لكنه عميق:
من سيكتب حكاية السودان القادمة؟
أبناؤه الذين يعرفون رائحة النيل عند الفجر؟
أم القادمون الذين تعرّفوا عليه بالأمس فقط؟
لا أحد يطلب من العائدين أن يكونوا أبطالًا.
يكفي أن يكونوا أصحاب بيت:
معلّم يفتح سبورة،
طبيب يعيد نبض عيادة،
تاجر يبدأ ببضاعة متواضعة،
وأم تعلّق ستارة في نافذة نجت من الخراب.
قد لا يكون الطريق آمنًا بالكامل،
ولا المستقبل واضح الملامح،
لكن المدن — عبر التاريخ —
لم تُبنَ بعد اكتمال الأمان،
بل بُنيت في الطريق إليه.
السودان اليوم يشبه مركبًا خرج من عاصفة طويلة.
من يصعد أولًا يجلس قرب الدفّة،
ومن يتأخر… قد لا يجد مكانه.
والخرطوم ما زالت تهمس لأهلها:
البيت لا يكتمل بالضيوف…
البيت يكتمل بأصحابه











