أزمات تتراكم… وشعب يقاتل من أجل الحياة لا من أجل الشعارات
مقال رأي: السودانيون بين فوضى الحرب وضياع الدولة… أين المخرج؟
متابعات – السودان الآن – لم يعد المشهد السوداني بحاجة لكثير من التفصيل ليظهر حجم الألم الذي يعيشه المواطن، فالحرب التي ضربت المدن لا تكتفي بتدمير المباني والطرق، بل تمتد لتصيب المجتمع في عمقه، فتسرق منه الإحساس بالأمان ومعنى الحياة نفسها.
فالسودانيون اليوم لا يقاتلون من أجل انتصار عسكري أو سياسي بقدر ما يقاتلون ببساطة من أجل البقاء، من أجل لقمة غذاء، ومأوى، ودواء، ومدرسة، ومستشفى، وجواز عبور نحو حياة طبيعية. وخلافاً لما يروج له الخطاب الإعلامي المتصارع، فإن المعركة الحقيقية لدى عامة الناس لم تكن يوماً حول “النصر” بل حول “النجاة”.
الحرب في السودان لم تفقد المواطن ممتلكاته فحسب، بل سلبته زمنه أيضاً. والزمن في حياة الشعوب هو أثمن ما يمكن خسارته؛ سنوات دراسية ضاعت، ومصانع توقفت، ومشاريع شباب دفنت قبل أن ترى النور، ونزوح جماعي شتّت الأسر وأفرغ المدن، فأصبح الخراب الاقتصادي والاجتماعي أخطر من الانهيارات العسكرية.
غير أن الصدمة الأكبر تكمن في تطبيع المجتمع مع الفوضى؛ حين يصبح انقطاع الكهرباء حدثاً عادياً، وغياب الماء مسألة يومية، وانهيار المستشفيات خبراً لا يثير الدهشة. وعندما يتعود الناس على الخوف والجوع وانعدام الخدمات، يصبح الإصلاح أكثر صعوبة من وقف الحرب نفسها.
وبينما تطلب القوى المتصارعة من المواطنين “الصبر” و”التضحية” و”التحمل”، يبقى السؤال الأكبر من دون إجابة: إلى متى؟ فالتضحيات ليست مفهوماً لانهائياً، والشعوب ليست خزانات بشرية تستهلكها الأنظمة والحروب ثم تُطالبها بالصمود. فالاستقرار لا يُبنى على الصبر وحده، بل على رؤية سياسية واقتصادية تعطي المواطن الحق في حياةٍ كريمة.
إن المخرج من الأزمة الراهنة لا يحتاج لمعجزة بقدر ما يحتاج إرادة سياسية حقيقية تقرر أن تكون حياة المواطن وسلامته أعلى من الحسابات العسكرية. فوقف إطلاق النار بات شرطاً وجودياً قبل أن يكون تفاوضياً، واحتكار السلاح في يد دولة مدنية واحدة شرطاً لاستعادة مؤسسات فاعلة، وإصلاح الاقتصاد شرطاً لعودة المواطن من مرحلة “الصمود” إلى مرحلة “العيش”.
فلا معنى لأي حديث عن “الكرامة” في بلدٍ لا يجد فيه الطفل مدرسة، ولا المريض دواءً، ولا الأسرة سقفاً آمناً، ولا الموظف راتباً يكفيه أسبوعاً. فالكرامة ليست شعاراً يُرفع في الحرب، بل خبزاً وتعليماً وفرصة وأماناً في السلم.
إن السودانيين يستحقون أكثر بكثير مما هم عليه اليوم. استحقوا بلداً يمنحهم حياة لا مجرد بقاء، ومستقبلاً لا مجرد ذاكرة، واستقراراً لا مجرد هدنة. ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع السودان أن ينهض قبل أن يستنزفه الزمن؟ الجواب ليس سهلاً، لكنه ممكن إذا وُضعت حياة الناس قبل كل شيء











