مقالات الرأي

نحن السودانيين (1): في نهاية المطاف سنموت… فلماذا نفسد ما تبقى من الحياة؟

متابعات -السودان الآن

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

نحن السودانيين (1): في نهاية المطاف سنموت… فلماذا نفسد ما تبقى من الحياة؟

خاص – السودان الآن – نحن البشر كائنات غريبة. نعرف جيداً أن العمر قصير، وأن الطريق ينتهي بالموت مهما طال، ومع ذلك نستهلك سنواتنا في الخصومة، ونتفنن في صناعة الأذى، ونهدم ما نستطيع هدمه كأننا باقون إلى الأبد.

لا أحد منا يملك ضمان الإقامة في هذه الدنيا. نُولد بلا اختيار، ونغادر بلا استئذان، وتبقى بين الميلاد والرحيل مساحة يسميها الناس “الحياة”. في هذه المساحة يمكن للإنسان أن يُصلح أو يفسد، يبني أو يهدم، يُلين القلوب أو يُقسّيها، يترك أثراً طيباً أو مجرد صخب يندثر مع أول موجة نسيان.

نحن نعلم كل هذا، ومع ذلك نميل في كثير من الأحيان إلى ما يفسد الأرض والناس: نفتح أبواب الخصام لأسباب يمكن إغلاقها بجملة، ونجعل البلاد تقف مكانها لأننا لا نريد أن يربح الطرف الآخر، ونعطل المصالح لأن الكِبر لا يسمح لنا بالتراجع خطوة، ونُضيف فوق جراح المجتمع جراحاً جديدة دون أن نلتفت لنتيجة هذا كله.

وإذا نظر الإنسان إلى السودان اليوم سيجد مشهداً مليئاً بالخصومات والمواجهات والعناد وقطع الأرحام وتعطيل الأعمال وتأجيل الصلح، كأن البلاد تملك رفاهية الوقت وكأن الناس خالدون. بينما الحقيقة أن الزمن لا ينتظر أحداً، وأن كل تأخير في الإصلاح يترك فجوة أعمق، وكل يوم يمر بلا مصالحة يضيف تعباً جديداً فوق تعب قديم.

ما الذي يمنع الناس من إيقاف هذا النزيف؟ ليس الجواب معقداً كما نظن. أحياناً يكفي أن يطرح كل واحد منا سؤالاً بسيطاً: ماذا سيبقى بعد أن نموت؟

ستبقى آثار أفعالنا… وستبقى سيرتنا بين الناس… وسيبقى ذكر الخير أو ذكر الشر… وسيبقى ما عمرناه أو ما خربناه. أما أجسادنا فمصيرها معروف منذ أول يوم في الحياة.

لا تطلب هذه الرسالة من أحد أن يتنازل عن حقوقه أو يتخلى عن مطالب عادلة، لكنها تذكّرنا فقط بشيء غاية في البساطة: إذا كانت النهاية واحدة فلماذا نختار الطريق الأقسى؟

إذا كنا جميعاً عابرين فلماذا لا نخفف الطريق على بعضنا بدلاً من أن نثقله بالأحقاد؟

ولماذا نترك للخصومة صوتاً أعلى من صوت الحكمة والمصلحة والعمران؟

الإصلاح ليس مهمة الحكومات فقط؛ هو أيضاً مهمة الناس في منازلهم وبيوتهم وأسواقهم ومجتمعهم. يبدأ حين نرفض أن نكون سبباً في خراب جديد، وحين نفضل معالجة خلاف بدل إشعال خلاف آخر، وحين نفكر فيما يضيف للحياة قيمة وليس ما يسلبها بريقها.

نحن البشر ـ في نهاية المطاف ـ سنموت. وهذه حقيقة لا تحتاج فلسفة. لكن الحياة التي بين الميلاد والموت تحتاج إلى وعي، وإلى قلب أوسع، وإلى عقل يرى أبعد من اللحظة الحالية.

وإذا أصلح كل فرد ما يستطيع إصلاحه، سيتغير وطن بأكمله.

وقد يكون هذا هو الفارق بين أمة تعيش، وأمة تستهلك نفسها ثم تفنى.

Oplus_131072
Oplus_131072
Oplus_131072
عنقريب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى